أخبار عاجلة
1الذئاب

الذئاب الجائعة

بقلم : سعــــاد المدني ـ المغرب.

 

وكلما رفعت الشمس راية الاستسلام، ونسج الليل قميص الصمت الجميل، وافترق العاشقان في يوم ممطر حزين، وودعت العروس بفستانها الابيض بيت اسرتها المليء بالحب والحنين، وعادت الام متعبة بعد يوم عمل عصيب، وانهت الفرقة الموسيقية معزوفة الالم والانين، وفي خضم المفترقات ونهاية الروايات، تتسربت خيوط الذكريات، وتجهش الجدران بالبكاء شوقا  لحكايات جدتي، ثمانينية العمر ربيعية التفكير.

لطالما عشقت هدوءها الغريب، وابتسامتها الشجنة، وتضاريس تجاعيدها التي تحكي مغامراتها العشرينية وتمردها على الزمان والمكان، وثورتها على الدقائق والثواني، وحروبها ضد الأيام والسنين.

اتذكر جيدا سردها الشيق، ومحكيها الجميل، لأحداث تدفعني للتساؤل، هل جدتي عاشت هذه القصص؟ ام عايشتها؟ ام هي فقط من وحي خيالها؟ ام هي سمفونية توقظنا من براءة الزمن وسداجة الافكار تعزف من خلالها رنيم الالم، وتضمد جراح الغدر، سيوف الخيانة المغروسة في ذاكرتها.

لم ادري ما سر حبها لقصة الظبية الصغيرة التي قررت المضي وحدها في طريق الغابة بعيدا عن القطيع.

وتكرارها لنا كلما تحولقنا حولها لنلتحف دفء  كلماتها، ونحتضن حروفها الذهبية، ونستنشق عنبر  أمثالها.

تردد بحسرة، هي ظبية صغيرة عيونها واسعة سوداء ، قرونها ناعمة محاطة بحلقات مُتدرّجة اللّون؛ ذيلها قصير، وشعرها ناعم وصقيل، وأُذُناها صغيرتان، وفروُها بنيّ فاتح لامع، تسر الناظرين.

وفي ضوء النهار ووجع والانفصال، وأسى الغربة، وحرقة الفراق، مضت الظبية في طريقها بعيدا عن القطيع، متوجهة نحو الغابة التي رسمتها جنة في مخيلتها.

بأشجارها العالية المثمرة، ورحيق ازهارها اليانعة المتفتحة، وخرير مياهها، وزقزقة عصافيرها، وطيبة حيواناتها وتنوعها.

وما ان وطأت حوافرها الغابة، حتى تعرفت على الكثير من الحيوانات منها، البرمائيات والثديات والرخويات والمفصليات والاسفنجيات والحلقيات، وغيرها الكثير، كي يحط بها الرحال بين ثلة من العصافير والأرانب والقطط، حيوانات ناعمة في شكلها، كنعومة طفل صغير بعد الولادة، هل هي بالفعل ناعمة؟ ام الظبية تعاني من عسر في نظر.

تجري بين الاشجار العالية، وتعلو ضحكاتها أرجاء المكان، تقفز بين الحفر وتلقي التحية على كل من صادفته من الحيوانات صغيرها وكبيرها، قويها وضعيفها، بقلب ابيض وابتسامة بريئة مرسومة على محياها.

 لطالما التحفت قميص الامان الذي حاكته أيادي القطيع، واحتمت بدفء حضن الغزال، وارتوت حلاوة حنان الخنساء….

وحين أرخى الليل سدوله انقلبت الجنة الى جهنم تغلي نيرانها، وتحولت الحيوانات الناعمة الى زومبي جائع مرعب، يفتك الاخضر واليابس، وتغيرت وجوه الحيوانات من عصفورة تطرب المسامع، الى كوبرا تنفت السم في عين ضحيتها، ومن ارنب لطيف يقفز الى عقرب خطير يلذغ، ومن اسد قوي شجاع، الى ثعلب ماكر جبان.

لعاب يسيل وعيون ثعلبية، وأنياب تنتظر الفرصة فقط لتنقض عليها، وتنهش لحمها الطرية، وذئاب جائعة متعطشة لدماء.

كل يبين عن مخالبه، يترقب لحظة الافتراس فقط.

تتأمل هي  في حزن وصمت رهيب، تنطق بحروف متلعثمة ألم تروا ظبية قط في حياتكم؟ أم أنا الظبية الوحيدة في هذه الغابة؟.

تراقبون تموجات فروي، وتضاريس جسدي النحيل، وتفاصيل حوافري الصغيرة، كأنكم ولأول مرة ترون صغير غزال.

غيبتم حقي في الحياة، وقيدتم حريتي في العيش بعيدا عن القطيع، خنقتم رغباتي في المضي قدما، وجلدتم براءتي، لوثتم صورتي عن الغابة الجميلة المليئة بالازهار، وخرير المياه، وضحكات الحيوانات، التي تراقص السحاب.

علمتموني الغدر، والخبث، أذقتموني رغيف الكيد والحقد الضغين، نسفتم أحاسيسي، ومزقتم ثقتي بأي حيوان، ولو كان أمين، حرقتم سداجتي، وصنعتم جدارا عاليا سميكا، بين قلبي والواقع الأليم…..

تصيح عاليا ابتعدوا عني فلستم أهلا لهذا الجسد الجميل، لا تقتربي ايتها الذئاب الضالة من لحمي الأصيل، تخيلي ما شئت فبيني وبينك آلاف الأمتار والسنين، وفي الواقع سأضل نجمة مضيئة رغم هذا الجرح الدفين……

تصمت جدتي وتنظر الينا باسمة، تنتظر اسئلتنا كي تمطر عليها، هل أكل الذئاب الظبية، هل أنقدها القطيع؟

تجيبنا ضاحكة : تذوقوا يا أحبائي الكلمة، وتلذذوا بالحرف، وتجرعوا مرارة المعنى.

 وإياكم الذئاب الجائعة، فليس كل من مدّ يد العون صديق، ولا من إبتسم في وجهك رفيق….

عن Iena News

شاهد أيضاً

فرنسي

المغرب : جثة فرنسي تدفن بمقبرة المسلمين والسبب لا يخطر على بال.

يينا نيوز العربية : محمد جرو.   تفاجأت أسرة فرنسي قضى بالعيون أثناء ذهابها لمستشفى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *