الرئيسية / إقرأ أيضا في / العدالة والقانون / موقع القضاء الإداري من خلال قرار توقيف مجلس جهة كلميم وادنون
القضاء الإداري

موقع القضاء الإداري من خلال قرار توقيف مجلس جهة كلميم وادنون

بقلم : عاشور رشيد*

 

   أعاد قرار توقيف مجلس جهة كلميم وادنون النقاش حول موقع القضاء الإداري، ودوره في ضمان إستقلالية الجماعات الترابية، وكذا دوره في تنظيم العلاقة بين المجالس المنتخبة، وممثلي السلطة المركزية، كما أعاد مسألة تداخل وتنازع الإختصاص فيما بين هذه الجهات.

فالقرار رقم 1528.18 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6675 بتاريخ 21 ماي 2018  أثار نقاشا قانونيا، أكاديميا وسياسيا، جهويا ووطنيا لإعتبارات كثيرة، منها أن الجهة اليوم أصبحت في مركز الصدارة في التنظيم الترابي للمملكة، بموجب دستور 2011، إلى جانب إعتبارها المدخل الأساسي للدفع بالمشروع الجهوي، بالإضافة إلى كونه أول قرار اتخذ بعد صدور القوانين التنظيمية الخاصة بالجهات.

وجاء هذا القرار في سياق توقف أشغال مجلس الجهة لمدة تزيد عن سنتين، بسبب صراع بين الأغلبية والمعارضة. ورفض مجلس الجهة التصويت بالإيجاب على جل النقط المدرجة بجدول أعمال الدورات خلال سنتي 2017-2018، وهو ما أثر على السير العادي للمرافق التابعة لمجلس الجهة منذ انتخابه سنة 2015.

ومن خلاله نطرح السؤال حول موقع القضاء الإداري من قرار التوقيف؟ هل القرار تجاوز مؤسساتي للنص القانوني؟ أم تأويل سياسي لوضعية المجلس؟

يظهر من فصول الدستور ومواد القانون التنظيمي المتعلقة بالجهات، والذي جاء إلى جانب القانونين التنظيميين المتعلقين بالعمالات والأقاليم والجماعات، لتفعيل مقتضيات الدستور ومضامينه، والتخفيف من “الوصاية” لصالح القضاء الإداري،  كما أن المشرع أعطى موقعا أساسيا للمحاكم الإدارية من خلال مواد عدة من القانون التنظيمي 111.14، ومنح لها اختصاصات جديدة في البت في النزاعات التي تثور بين السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، من خلال ممثيلها في الجماعات الترابية، والمجالس المنتخبة في إطار الرقابة على الجماعات الترابية، وهو ما شكل تطورا في مجال الرقابة القضائية على المجالس المنتخبة.

فبقراءة قانونية هذه، نرى أن قرار التوقيف هذا والذي أصدرته وزارة الداخلية، يدخل ضمن اختصاص القضاء الإداري أساسا، وبشكل مباشر، وهو ما يتبين من مواد القانون التنظيمي المنظم للجهات. فمن خلال المادة 66 والتي نصت على إختصاص القضاء بعزل أعضاء المجلس، وكذلك بالتصريح ببطلان مداولاته، وكذا ايقاف تنفيذ المقررات والقرارات التي تشوبها عيوب قانونية… فهذه المادة تبقى محورية ضمن مواد أخرى، تحدد قيمة ودور القضاء الإداري في علاقته بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وكل نزاع بينها وبين المجالس المنتخبة حول شرعية قرارات ومقررات مجالس الجهة، يحال على المحكمة الإدارية للبت فيه.

ونصت المادة 67 على أنه “إذا ارتكب عضو من أعضاء مجلس الجهة غير رئيسها أفعالا مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، تضر بأخلاقيات المرفق العمومي ومصالح الجهة، قام والي الجهة عن طريق رئيس المجلس بمراسلة المعني بالأمر للإدلاء بتوضيحات حول المنسوب إليه داخل أجل لا يتعدى 10 أيام، ونفس الأمر ينطبق على رئيس  المجلس… ويجوز للسطة الحكومية المكلفة بالداخلية أو لوالي الجهة بعد التوصل بالإيضاحات الكتابية أو عند عدم الإدلاء بها بعد انصرام الأجل إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية، وذلك لطلب عزل عضو المجلس المعني بالأمر من مجلس الجهة، أو عزل الرئيس أو نوابه من عضوية المكتب أو المجلس، وتبت المحكمة في الطلب داخل أجل لا يتعدى شهرا من تاريخ توصلها بالإحالة، وفي حالة الإستعجال داخل أجل 48 ساعة… ” هذه المادة تؤكد على الدور الرقابي للمحاكم الإدارية على الجماعات الترابية، من خلال توقيع الجزاءات التأديبية على أعضاء مجلس الجهة، في حالة إخلالهم بمهاهم سواء الرئيس أو نوابه أو بقية الأعضاء، حيث يتم العزل والتوقيف بمقتضى حكم قضائي، بدل قرار إداري كما كان في السابق، والذي تتخذه سلطات الوصاية. فهو إختصاص جديد مسند للمحاكم الإدارية.

وحسب المادة 112 من القانون التنظيمي الخاص بالجهات، وفي الباب المتعلق بالمراقبة الإدارية ، وتطبيقا للفصل 145 من الدستور، “فوالي الجهة يمارس المراقبة الإدارية على شرعية قرارات رئيس المجلس ومقررات مجلس الجهة، وكل نزاع في هذا الشأن تبت فيه المحكمة الإدارية…” ومراعاة لمقتضيات المادة 114 من القانون التنظيمي، التي نصت في فقراتها على أنه “لوالي الجهة أن يتعرض على النظام الداخلي للمجلس، وعلى المقررات التي لا تدخل في صلاحيات مجلس الجهة أو المتخذة خرقا لأحكام القانون التنظيمي، والنصوص التشريعية، والتنظيمية، الجاري بها العمل ويبلغ تعرضه معللا إلى رئيس مجلس الجهة… وإذا أبقى المجلس المعني على المقرر موضوع التعرض، أحالت السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية الأمر إلى القضاء الإستعجالي لدى المحكمة الإدارية الذي يبت في طلب ايقاف التنفيذ داخل أجل 48 ساعة…”

وبالرجوع إلى القانون التنظيمي للجهات نجده أيضا ينص على إختصاص القضاء وحده بحل مجلس الجهة في حالات محددة، والتي تجيز اللجوء للمحكمة الإدارية لطلب الحل وهي:

-إذا رأت السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية أن مصالح الجهة مهددة لأسباب تمس بحسن سير مجلسها، فعليها أن ترفع الأمر إلى المحكمة الإدارية لمباشرة مسطرة حل المجلس المادة 75.

-إذا رفض المجلس القيام بمهامه بمقتضى القانون أو رفض التداول واتخاذ المقرر بالميزانية أو بتدبير المرافق العمومية، أو وقع إختلال في السير العادي للمجلس. المادة 76. والملاحظ على هذه الحالات أنها تبدو فضفاضة، حيث لم يدقق في المقصود منها تحديدا.

كما تضمنت المادة 44 من القانون، صلاحية “والي الجهة في التعرض على كل نقطة مدرجة في جدول الأعمال لا تدخل في إختصاصات الجهة أو صلاحيات المجلس، ويبلغ تعرضه معللا إلى رئيس مجلس الجهة، وعند الإقتضاء يحيل الوالي تعرضه إلى القضاء الإستعجالي بالمحكمة الإدارية للبت فيه داخل أجل 48 ساعة… وكل إخلال متعمد بأحكام المادة يوجب تطبيق الإجراءات التأديبية، من عزل للأعضاء، أو توقيف، أو حل للمجلس، انسجاما مع المادتين 67 و76 اللتان تمنحان الإختصاص للقضاء الإداري”.

إضافة إلى أن أحكام الفقرتين الأولى والرابعة من المادة 77 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والتي تضمنت مصطلح التوقيف، ولم تسند  الإختصاص لوزارة الداخلية أو ممثيلها المحليين، وإنما  نصت تعيين لجنة يعهد إليها بتصريف الأمور الجارية لمجلس الجهة في الحالات المحددة وهي: إذا وقع توقيف أو حل المجلس، إذا استقال نصف عدد أعضائه المزاولين، إذا تعذر انتخاب أعضاء المجلس الجهوي لأي سبب من الأسباب. وتتكون اللجنة من خمسة أعضاء برئاسة والي الجهة. وتنتهي مهمتها بعد انصرام مدة توقيف المجلس أو فور إعادة انتخابه، كما أن تصرفاتها لا يمكن أن تلزم أموال الجهة.

والواضح أن المادة حددت الحالات التي يمكن من خلالها تعيين لجنة خاصة تحل محل المجلس المنتخب لمدة معينة، ولم تنطبق أي منها على وضعية المجلس، وبالتالي من خلالها تطرح مسألة شرعية القرار المتخد.

هذه المقتضيات وغيرها الواردة في القانون التنظيمي المنظم للجهات، تبين أن التدخل القانوني لتدبير مختلف وضعيات مجلس الجهة من حل وعزل… اختصاص للقضاء الإداري، وبناء عليه يمكن القول على أن هذا التدخل يتنافى مع مضامين القانون التنظيمي 111.14 ومع مضمون وروح بعض فصول الدستور الجديد، خاصة الفصل 145، وهو ما يفتح المجال أمام إمكانية الطعن في القرار.

وختاما، ورغم أهمية هذه الترسانة القانونية سواء الوارة في القانون التنيظيمي رقم 111.14 أو في مضامين الدستور، إلا أنه من خلال قرار التوقيف هذا المثير قانونيا، يبدو أن إشكال الشرعية، وحدود الإختصاص لا يزال مطروحا، بشكل يجعل ثقل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، تفوق قوة النص القانوني المؤطر لإختصاص القضاء الإداري في هذا المجال.

*باحث في سلك الدكتوراه تخصص القانون العام

كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية

جامعة ابن زهر أكادير

المراجع المعتمدة:

-الدستور المغربي لسنة .2011
-القانون التنظيمي المتعلق بالجهات رقم 111.14.
-عبد الواحد القريشي التنظيم الإداري المغربي، سلسلة إضاءات في الدراسات القانونية العدد 4، 2016
-مولاي ادريس الحلابي الكتاني، مسطرة التقاضي الإدارية، 
منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 17، 1998
-عبد الرحيم العلام، أربع ملاحطات على قرار توقيف مجلس جهة كلميم، منشور عبر الأنترنيت بتاريخ 23 ماي 2018 - 19:28 
-الداودي عادل، دور القضاء الإداري في تحقيق التوازن بين السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والمجالس المنخبة،
 مجلة منازعات الأعمال، موفع الكتروني.

عن Iena News

شاهد أيضاً

تحقيق

هيذر ناورت: تدعو لإجراء تحقيق في المقابر الجماعية بمالي

يينا نيوز الدولية : عبد الواحد حركات   دعت الولايات المتحدة الأمريكية  السلطات المالية،  لإجراء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: