مَوْلانَا جَلال الدِّين الرُّومِي .. فِتْنَةُ العَشْقِ التِّي لا تَنْتَهي ( 1 / 3 )

14

بقلم : د. بليغ حمدي إسماعيل ـ مصر.

 

بلخ .. المدينة الثقافية:

مدينة بلخ ، حاضرة خراسان كما يذكر المؤرخون ، مدينة ذات تاريخ ضارب في القدم والعمق والعراقة ، هي مسقط رأس مولانا جلال الدين الرومي القطب الصوفي المفتتن عشقا وشوقا ومحبة ، وهي المدينة التي بالضرورة كانت رافدًا خصبا ومهما في تشكيل ثقافة وشخصية مولانا جلال الدين الرومي ، فهي بلدة تعد ملتقى لشتى الثقافات والحضارات والرؤى الاجتماعية والدينية ، وما كان عليها إلا أن تهضم كل تلك الثقافات فتنصهر بنكهة بلخ نفسها حتى لقبت بقبة الإسلام وأم البلاد ، وظلت بلخ موطن أجلاء الشعراء والكتاب والمتصوفة قطعا وأيضا رجال الفقه الكبار ، فمن هؤلاء الوزير نظام الملك  والشاعر العبقري عمر الخيام ، وشاعر المتصوفة العظيم فريد الدين العطار ، والإمام القشيري .

ولعل مدينة بلخ كانت شاهدة انتصار التصوف الإسلامي ، بل توهج الحركة الصوفية بما شهدته هذه الفترة التاريخية الخصبة من أعلام بارزين في التصوف وأهله ومريديه ، والذي يدفعنا إلى تأويل الطرح الصوفي لمولانا جلال الدين الرومي اعتباره شخصية مرموقة في تاريخ الفكر الإنساني وليس التصوف فحسب ؛ ذلك لأن البعد الإنساني يشكل الملمح الأبرز والأهم في مجمل إنتاج جلال الدين الرومي .

 

النشاة والتكوين :

والكتب تحدثنا عن جلال الدين الرومي البلخي ، البلخي نسبة إلى مدينة بلخ الخالدة التي تحدثنا عنها ، والرومي نسبة إلى بلاد الروم التي تقع فيها مدينة قونية التي شهدت إشراقات جلال الدين الصوفية ، ولاشك أن التنشئة الأسرية كانت أعظم الروافد التي نهل منها جلال الدين ، لاسيما أبوه الذي كان من أعلم أهل زمانه فكان فقيها حنفيا مشهورًا ، بل وعرف في زمانه بلقب ” سلطان العلماء ” لما تميز به من علم وفقه وورع ودراية بالشئون الدينية آنذاك.  ولقد عاش بهاء الدين ولد أبو شيخنا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ حاضرة الثقافة مرتاحا في عيشة هنية ميسورة ، تمتع بعذوبة الحديث والتأثير في الحاضرين بمجالس العلم ، وله كتاب يمسى ” المعارف ” وهو جملة من المباحث في علم الكلام والفقه والتصوف ، ويغلب على شطرها الجانب العرفاني الروحي .

وهناك عدة أسباب دفعت بهاء الدين ولد إلى ترك مدينة بلخ ، لعل أبرزها ما يجاهد المؤرخون فيه إلى محوه وزواله ، وهو ما تعرض له بهاء الدين ولد من محنة جرّاء آرائه وأفكاره واختلافه مع فخر الدين الرازي الذي اعتاد مهاجمة الصوفية والتصوف ، وهذا هو السبب الرئيس في هجرة بهاد الدين ولد مدينة بلخ إلى نيسابور ثم الري ثم بغداد ، وأخيرًا إلى قونية حيث الاستقرار . فقد كان بهاء الدين ولد شديد الهجوم على العقلانية الفلسفية التي كان يمثلها فخر الدين الرازي ، رغم أن الأخير في مصنفاته لم ينكر على الإطلاق كليات مسائل ومباحث التصوف الإسلامي. إذن لابد من التركيز على أن المسائل العقدية والجدالات الدينية كانت سببا رئيسا ومهما لترك بهاء الدين مدينة بلخ.

أما مولانا جلال الدين الرومي فقد تعلم على يد برهان الدين محقق الترمذي ، والذي كان أحد مريدي والده بهاء الدين ، وفي هذه الفترة وبتوجيه وإرشاد من برهان الدين معلم الشيخ جلال الدين سافر الأخير إلى مدينة حلب من أجل نهل المعرفة وتحصيل أكبر قدر من صنوف العلم ، في الوقت التي كانت فيه حلب من مدن المعرفة الحقيقية قبيل أن نسمع منذ نهايات القرن العشرين عن هذا المسمى.

واكتسب جلال الدين في رحلته إلى حلب الفقه الحنفي الذي كان أبوه عالما به ،وهناك حضر دروس الشيخ كمال الدين بن العديم ، ثم سافر إلى مدينة دمشق والتي لقي بها سلطان العارفين الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي صاحب الفيض رغم أن كتب تاريخ التصوف لم تذكر الكثير عن مشاهد وأحداث هذا اللقاء الذي بالضرورة كان مؤثرا في حياة مولانا جلال الدين الرومي.

 

ولادة جديدة :

          بعودة مولانا جلال الدين الرومي إلى قونية كانت حياته مألوفة عادية ، حيث كان مدرسًا للفقه الحنفي ، لكن هناك حادثة شهيرة هي التي دفعت الأقلام والعيون والأبصار والأفئدة تغدو وتروح صوب جلال الدين الرومي ومصنفاته حتى يومنا هذا ، هذه الحادثة هي التقاؤه بشمس التبريزي المجذوب من مجاذيب العالم .

          وشمس التبريزي من أولئك المتمردين المحرقين للعالم ، ويبقى التساؤل المثير حائرا في الإجابة عنه ، وهو التساؤل الذي طرحه عطاء الدين تدين في كتابه عن الشخصيتين جلال الدين وشمس ، لو أن شمسا وجلال الدين يلق واحد منهما الآخر ، كيف كان مصيرهما ؟ هل كان سيوجد مولانا جلال الدين الرومي في التاريخ بهذه الخاصيات نفسها ، ويكون لدينا شاعر مفكر متمرد حجم تمرد الإنسانية نفسها ؟ ولو أن هذا اللقاء لم يحصل هل كان سيبقى اسم شمس التبريزي حاضرا بهذه القوة إلى يومنا الراهن ؟ .

 

بالفارسية شمس تبريز :         

وشمس التبريزي هذا كما تروي سيرته كتب تاريخ التصوف الإسلامي كان امرأ بطئ الغضب ، قليل التحمل ، لا يقيم وزنًا لكل الموازين التي تضبط عُرف أهل زمانه ، فضلا عن نظرته لمسائل عصره ، فقد كانت قاسية وحادة وربما غير مبالية تجاه مسائل الدين والأخلاق والتصوف ، ويعلم من أقوال شمس على نحو واضح أنه لم يكن يؤمن كثيرا بمسألة أخذ الخرقة الصوفية وإعطائها ، رغم دلالة هذه المسألة في عصره ، حيث تعد أرسخ وأبرز أسس نظام الزاوية الصوفية أو ما يعرف بالخانقاه ، وربما مفاد ذلك ما ذكره عن نفسه بأنه أخذ خرقته من يد الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يعني خرقة الصحبة لا خرقة الثوب ، ويقول في مقالاته: ” أعطاني الرسول عليه السلام في المنام الخرقة ، ولا أعني تلك الخرقة التي تتمزق بعد يومين وتبلى وتلقى في التنور ، أو يستنجى بها ، بل خرقة الصحبة ؛ الصحبة التي لا يتسع الفهم لإدراكها ، الصحبة التي ليس لها ماضٍ وحاضر ومستقبل ، أي شأن للعشق بالماضي والحاضر والمستقبل ؟ ” .

          ومعيار شمس في تقييم أهل الوجد والعشق لم يكن العلم والفضل والزهد بل والعبادة أيضًا ، بل هو معيار مغاير ، يكمن في الصحبة ، هذا هو السر الذي لا يزال خافيا عن لقاء الأيام الأولى بين مولانا جلال الدين الرومي وشمس التبريزي حينما تمثلا معا في مقولة العشق وامتلاك الروح العاشق ، الأمر الذي يدفعنا إلى تأويل ما وراء المعرفة في سر القاء الأول السري أيضا بينهما .

          وكل ما يروى عن تفاصيل هذه الأيام ما ذكره المستشرق ( جوزيبي سكاتولين ) في كتابه ” التجليات الروحية في الإسلام ” من أن جلال الدين الرومي المدرس الحنفي التقى بقونية بصوفي متجول فقير ، هو شمس الدين محمد التبريزي المعروف بالفارسية ب ( شمس تبريز ) ، الذي كان رافضا للعلوم العقلانية آنذاك ، فعاتب جلال الدين في ذلك قائلا إن تلك العلوم  لا تساوي ذرة من الخبرة بالحب الإلهي ، فغير هذا اللقاء حياة جلال الدين برمتها ، فلقد أضرم هذا المجذوب في نفس جلال الدين نار الحب الإلهي الذي حرك في نفسه قوة الإبداع الشعري.

 

بين الفقيه والجذوب:

          أبرز النتائج التي حصلت من لقاء مولانا جلال الدين الرومي وشمس التبريزي هو تغيير معايير التقييم لدى الشيخ الفقيه الحنفي ، وإن كان ثمة دوافع غير واضحة تدفع بقوة لهذا التغيير ، وربما هذا الذي يجعلنا نبرر سببا آخر لهذا التجاذب العميق بين الرجلين ،  وهو هجوم شمس التبريزي على فخر الدين الرازي المستدام وأنه يفضل أبا يزيد البسطامي عليه بقوله : ” الفخر الرازي لا يصل إلى غبار طريق أبي يزيد وهو كالحلقة على بابه ، وهذا ما صادف ذاكرة جلال الدين الرومي من موقف فخر الرازي صوب أبيه بهاء الدين ولد والمحنة التي دفعت والده للهجرة من بلخ .

          المهم أن التغيير الذي نقصده هو التحرر من القيود ، فالمعروف عن جلال الدين الرومي وقت التقائه بشمس التبريزي كان مهتما بالدرس والوعظ والتذكرة لجموع المسلمين بقونية ، وهي كلها مهام تفرض نوعا من القيد الاجتماعي وربما النفسي لصاحبه ، فجاء اللقاء الأول كما جاء بعض شذراته في كتاب ” جواهر الأسرار ” لجاب نول كشور ، ليحرره من سطوة تلك المعايير ، فكما يُسرد في الكتاب السابق ، حرر اللقاء جلال الدين من سجن العادات ومن قيد معايير زمانه ، فاستطاع شمس التبريزي في ثنايا اللقاء الأول أن يمزق سلسلة هذه المعايير والأعراف لدى الشيخ الفقيه الحنفي وأن بإمكانه حين مخالفته لمعايير المجتمع العيش في عالم آخر ومع أناس آخرين .

          والشواهد والإحداثيات الغريبة والرهيبة التي دفعت الشيخ الفقيه جلال الدين الرومي ليصيح شعرا ويصدح بأروع الأبيات التي تحكي وتصف وجده وشوقه الإلهي ، فما الذي قاله هذا المجذوب في حضرة الشيخ الفقيه ليندفع بعيدا عن قاعات الدرس والوعظ والتدريس والبحث الفقهي ليتجه إلى جلسات السماع والموسيقى والرقص والدوران في الأحياء والشوارع ؟ .

          وما التفاصيل غير المحكية التي دارت بين شيخ ومجذوب في غرفة باردة رطبة ومظلمة طوال ثلاثة أشهر لتحول الشيخ جلال الدين الرومي إلى مدَّاحٍ للعشق الإلهي؟ لكن أغلب ظن الباحثين ورجال التأريخ للتصوف الإسلامي لم يروا في شمس التبريزي سوى هذا الرجل المجذوب ـ وهو الوصف السائد له في الكتب ـ لكن الحقيقة ليست كما وردت في الكتب البسيطة التي وصلت إلينا ، لأنها نسيت ثقافة شمس العلمية وبيئته الحضارية الاجتماعية الخصبة ، ويبدو أن كليهما ـ الشيخ والدرويش ـ كانا على يقين الاستعداد بالتغني بالعشق الإلهي . سأل شمس التبريزي مولانا جلال الدين الرومي في الخلوة بهدوء :

ـ عم تبحث ؟ عن منزلة ومنصب عال أم عن إدراك الحقيقة؟

ـ يجيب مولانا وهو أستاذ دار العلم في قونية : عن علة خلق الكائنات والناس ، ليس من طريق العلم ، بل …..

قطع شمس فورا كلام جلال الدين المرسل ، وسأل :

ـ هل قرأت الحديث ” كنت كنزًا مخفيا فأحببت أن أعرف ….” على سبيل الإخلاص؟.

ـ يجيب الشيخ : نعم ، قرأت ، ولكنني إلى الآن لم أظفر من شجرة المعرفة بثمرة ، لعلني أكون في منعطف أول حي من أحياء معرفة النفس.

 

يسأل شمس من جديد :

ـ أتعرف ثمرة المعرفة ؟ ثم يواصل كلامه : دعني أبين لك ، لأن لديك تعلقا وإصرارا وأملا بلقاء الحقيقة ، إن معرفة الحق وتجلي الحق يتيسران بمدد العشق ، والحكمة في خلق العالم وآدم أساسها العشق، العشق في عقيدة العارفين مثل الروح من عالم الأمر ، وبين الروح والعشق فيما أرى ارتباط معنوي وملكوتي، العشق هو الذي يربط بين التراب والأفلاك ، وبين اللاهوت والناسوت ” .

          ولاشك أن مثل هذه العبارات لا تصدر من رجل سطحي أو مجرد من المعرفة كما تدعي بعض كتب التصوف لاسيما كتب المستشرقين ، بل هو كلام يصدر من رجل عارف مجرب تنقل بين صنوف المعرفة بحثا عن الحقيقة .. وللحديث بقية إن شاء الله .

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية المساعد
كلية التربية ـ جامعة المنيا

التعليقات مغلقة.