أبَاطِيلُ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ المُعَاصِرَةِ .. تُركيا أنْمُوذَجًا

367

بقلم : د. بليغ حمدي إسماعيل/ مصر.


يؤكد الكاتب والمفكر الكويتي الدكتور عبد الله الجسمي أن الدولة الوطنية لعبت لعبت دورًا بارزا ومهما في الحفاظ على الكيانات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لمواطنيها ومجتمعاتها لفترة امتدت أكثر من قرنين ، وهذه المقولة دفعتني وغيري إلى رصد وتحليل المشهد السياسي التركي في ضوئها ، لاسيما وأن حالات التردي السياسي التركي بدا جليا منذ سنوات طويلة حينما حاولت الدولة التركية تقديم فروض الولاء والطاعة العمياء للاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إلى عضويته تارة ، وهذا الخنوع والاستسلام لأي قرار أمريكي بشأن منطقة الشرق الأوسط تارة أخرى ، وسط خوف مستدام من أي عصيان يبدو ولو على استحياء ضد القوة الروسية .

وتركيا الدولة الوطنية التي أصبحت تبحث عن وجه لها لا وجود فحسب ، تريد أن تبقى بمشهد ثابت لها في الصورة الشرق أوسطية والتي بدأت عن طريق التغلغل في الأراضي السورية ، ثم عن طريق الاستفزازات والتصريحات المستدامة ضد مصر ، والآن من خلال إلقاء الصوت والصدى صوب المشهد الليبي الراهن .

وربما يرى أنصار وأعضاء الجماعات والتنظيمات المتطرفة ذات الطبيعة السياسية والدينية المزدوجة فقط أردوغان الرئيس التركي نموذجًا وقدوة ، وهم بالقطعية في مظانهم التي بالضرورة تحتاج إلى علاج وتصويب وتعديل ، لكن يتفق الجميع من أسوياء التفكير أن ممارسات رجب طيب أردوغان السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي هي ممارسات تشارف حد الاضطراب النفسي والشعور بالدونية والانتقاص من القدر الذاتي وهي أعراض تدفعه إلى ارتكاب ثمة حماقات طفولية ، أو بالأحرى جنونية تجتر ذكرياتنا إلى مطالع الحرب العالمية الثانية حينما هرول بعض الرؤساء إلى إعلان الحرب بغير تفكير عميق أو رؤية صائبة فكانت الخيبات والحسرات كفيلة بدمار العالم آنذاك .

وإذا كان السياسيون الأتراك مازالوا يحذرون أردوغان بالعواقب الاقتصادية والبشرية الوخيمة التي ستحل على الدولة التركية المترنحة سياسيا في وقتنا الراهن جراء إعلان الرئيس التركي الأكثر تهورا بإرسال جنود تركية إلى طرابلس فإن تلك العواقب ستحقق نتيجة شواهد كثيرة معلنة للرائي وليست خفية أو عصية على المشاهدة .

فالليرة التركية لاتزال تواصل سقوطها المستدام أمام الدولار الأمريكي ، وفكرة التغلغل التركي السافر في تركيا جاءت بالفشل والدمار على تركيا نفسها وهجرة الآلاف السوريين إلى تركيا التي ضاقت بهم وبجماعة الإخوان الهاربة من مصر وتونس أيضا ، وهو الخوف من تحول آلاف الليبيين من ليبيا إلى تركيا وسط تردي اقتصادي يبدو طويلا هذه المرة دون التفات البرلمان التركي لهذه المخاطر .

ومشكلة تركيا الأزلية أنها لم تستفق بعد على انهيار الخلافة التي ظلت لقرون بعيدة باقية ، لكن فكرة الرجل المريض التي لم تكن في واقع الأمر فكرة بل حقيقة قائمة حتى وقتنا الآني في نظر الرجل الغربي غائبة عن الذهن التركي ، الأمر الذي تدفع الحكومة التركية إلى اتخاذ سياسات ليست في مسار الفطرة أو الطبيعة ، ففكرة التدخل العسكري في الشأن الليبي ما هي إلا محاولة للبقاء المزعوم البائد للخلافة التركية ، فتركيا تعلم جيدا أنها ستدخل مواجهة عسكرية ضد قوات خفتر العسكرية ، وهذه المواجهة لن تكون سهلة بالقطع ؛ ىلأن القوات العسكرية الليبية أصبحت على وعي قوي بمصير الدولة الليبية التي ظلت لسنوات في مهب الريح ،وأن البداوة العربية الأصيلة كفيلة بإنزال الهزيمة بأية قوات على خلاف العقود السابقة.

وفكرة أن يقوم أردوغان المهزوم تاريخيا منذ القرن العشرين وفق تاريخ دولته المنهارة تحت مسمى الخلافة ـ ليبيا بحجة مقاومة تنظيمات متطرفة أو البحث عن مسعى مغاير لاستقرار الوضع الأمني هناك ، هي فكرة بالضرورة صهيونية لشيوع الفوضى وعدم الاستقرار النسبي ، معتمدًا في ذلك على حفنات من المرتزقة المحاربين وإن كانوا مقاتلين فهم لا ولن يصطفوا بجوار المقاتلين الوطنيين مطلقا وهذا ما يغفل عنه هذا الطاووس المغرور وإن كان مسكينا بالفعل يحتاج إلى معالجة نفسية أكثر من مفاوضات ومبادرات ومشاورات.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية صار لدى الكتاب والمؤرخين هوس لاقتناص أخبار هذه الخلافة المريضة سياسيا لاسيما وأنها أقيمت بفضل السواعد والعقول العربية تحت مظلة أن تلك الخلافة الإسلامية ، ولايزال هذا الهوس المعلوماتي قائما بالفعل بعد تغلغل متطفل من قبل الدولة التركية والذي تمثل في مشاهد متعددة قبيل ثورات الربيع العربي وحتى وقتنا الراهن . وتركيا بطبيعة تركيبتها الجغرافية والسياسية ظلت مرهونة ببقاء إعلامي يسلط الضوء عنها وعن مشاركاتها التي دوما تصيبها خيبة المسعى وفشل المأمل والمطمح ، لذا كانت تربة خصبة للكتابة وتأويل الحالة التركية التي ظلت متأرجحة عقب سقوطها السياسي بعد الحرب العالمية الأولى . ولعل أشهى ما يمكن تقدمة هذه السطور عن تركيا اليوم هو الحرب الدائرة بين بعض الصحف التركية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب نشرها وثائق وأخبار تفيد تسليح أردوغان بعض جبهات المعارضة في سوريا لكنه لا يستطيع البوح لأنه بالفعل بغير قدرة على مواجهة نظام بشار الأسد العسكري ولا الظهير السياسي الروسي والدعم الإيراني ، تلك هي تركيا التي تواصل مسلسل ضعفها السياسي منذ سويعات سقوطها في ذيل الحرب العالمية الأولى .

وتركيا ظلت تقاوم حلمها وهاجسها القديم باستعادة زعامة الخلافة التي لم يعد لها وجود قائم عن طريق استقطاب الشعوب العربية فقط وليست الإسلامية مثل إيران عن طريق تقديم نوعية معينة من الدراما التي تم اعتمادها على دراسات تفيد عطش العيون العربية والعقول أيضا إلى مثل هذه النوعية من الدراما فكانت المسلسلات التركية التي تقدم مشاهد استثنائية من الوله والغرام والعشق وتقديم تركيا الجديدة العلمانية التي لا ترى في أعمالها الدرامية آذانا أو صلاة أو قراءة للقرآن في الوقت الذي نرى فيه عشرات المنتمين إلى جماعة وتنظيم الإخوان الذي يسانده أردوغان على شبكات التواصل الاجتماعي وهو يقرأ القرآن بصوته الذي يصفونه بالشجي الخاشع الرائع منافسا في تلاوته أساطين التلاوة المصرية من مثل محمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد وغيرهما.

ولأن تركيا استهدفت منذ البداية الدول العربية لاستعادة الخلافة المزعومة التي فشلت بدليل سقوطها المدوي وتنازل مصطفى كمال أتاتورك عن أيديولوجية هذه الخلافة فقد رأت أن تقديم العشق الممنوع والأسود والحرام والصامت والصريح وكل أنواع وصنوف العشق رغم أنها دولة الخلافة الإسلامية التي تدشن لإقامة كيانات وتيارات إسلامية في منطقة الشرق الأوسط ـ هو التمهيد المناسب لعيون متعطشة للحم التركي العاري نسبيا وللأحضان الدافئة والملتهبة والمتشوقة لأنها تظن أن الشعوب العربية مريضة بالفعل كما هي سقطت بفضل المرض السياسي الذي أصابها فضعفت أمام القوة الأوروبية والتي من شأنها لا تزال تبحث تركيا عن زاوية صغيرة تنفذ منها صوب الحياة السياسية الأوروبية.

وبعد هذا التمهيد البصري التركي للشعوب العربية عن طريق دراما باتت رخيصة بعض الشئ ، لجأت عقب ثورات الربيع العربي وإن لم تكن بالفعل ثورات حقيقية بل هي انتفاضات شعبية لتحقيق مطالب ومطامح قصيرة النظر تزامنت مع المخطط الصهيو ـ أمريكي لترويج الفوضى الخلاقة والتي استحالت بالفعل سمة رائجة في العراق وليبيا واليمن وثمة مناطق في سوريا ، سعت تركيا إلى هيمنة ثقافة جديدة تغزو بها العقول العربية غير متناسية في ذلك نظرية اللحم العاري والصدور الناهدة البارزة وجاء هذا الغزو من طريق سلسلة حلقات حريم السلطان التي روجت للعسكرية العثمانية وقوة السلطان العثماني الذي عزا العالم للتأكيد على عراقة الخلافة من ناحية ، وعلى قوة الدولة التركية العسكرية من ناحية أخرى .

ولكن هل تفلح هذه التجربة الطائشة الأردوغانية ، بالطبع لا ، فمشكلة تركيا وكافة الكيانات المدعمة صهيونيا لم تستفق بعد على حقيقة الوعي المستدام الذي صار جزءًا من نسيج المواطن العربي وليس الليبي فحسب ، هذا الوعي الذي صار سلاحا ناجزا قويا وحادا في مواجهة أي عدوان داخلي أو خارجي وهو ما حدث في مصر ، بأن استفاق الشعب على حقيقة الوطن وضرورة بقائه .

واليوم لا يمكننا التنبؤ بمستقبل أدوغان السياسي سوى بأنه على وشك محطة الوصول الأخير للسقوط ، فهو على مستوى المشاركة في المشهد العربي الراهن لا دور له في المسألة السورية التي بدت أكبر منه ومن قدراته ومن مؤسسته السياسية ، وعلى مستوى المشاركة الأوروبية ربما أنه أدرك دوره الحقيقي كوسيلة تستخدمها أوروبا بعض الوقت من أجل ترويج الفوضى في منطقة الشرق الأوسط ، والداخل فبعد إقصاء كبار المفكرين والكتاب ، وقهر المعارضة رغم التظاهرات التي لا تنتهي هناك ، أصبح اليوم في مسعاه لغزو ليبيا ولا يدر ما هي ليبيا عمر المختار .

التعليقات مغلقة.