كلمة السيد محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الإفريقي الأول .

446

يينا نيوز العربية : سعيد فريكس/ المغرب.

 

يسعدني أن أرحب بكم في المنتدى الأول لإدارات السجون وإعادة الإدماج المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، تحت شعار ” نحو رؤية مشتركة لتعزيز التعاون جنوب – جنوب لمواجهة تحديات وإكراهات تسيير المؤسسات السجنية.” والذي يتزامن مع الذكرى السنوية الثالثة لعودة المملكة المغربية إلى الاتحاد الإفريقي. ويندرج تنظيم هذا المنتدى ضمن التوجهات الاستراتيجية للمملكة في مجال التعاون جنوب – جنوب، مستلهما مرجعتيه من الانخراط المباشر والمكثف والمستمر لجلالة الملك نصره الله وأيده من أجل إعطاء دينامية جديدة لعلاقات التعاون الخاصة بهذا المحور الذي يحظى لدى جلالته بأولوية قصوى. وإذا كانت المملكة المغربية قد كثفت علاقات التعاون مع البلدان الإفريقية الشقيقة بعد العودة الميمونة للمملكة المغربية إلى الاتحاد الإفريقي في 30 يناير 2017، فإن الدينامية التي أضفيت عليها هي سابقة عن هذا التاريخ بفترة طويلة.

فالمملكة المغربية، وخلال ما يقارب عقدين من الزمن، ما فتئت توسع وتكثف علاقات التعاون الشاملة ومتعددة الأبعاد، سواء في الإطار الثنائي أو متعدد الأطراف، مع البلدان الإفريقية الشقيقة. إن عودة المملكة المغربية إلى حضنها الإفريقي لا تعدو أن تكون رجوعا إلى الأصل، أي بمثابة عودة الأخ إلى إخوته، ولا شيء يعلو على أواصر القرابة وعلاقات الأخوة، وهذا بالضبط ما أعرب عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بنبرة يغمرها الصدق في الخطاب التاريخي الذي ألقاه بتاريخ 31 يناير 2017 بأديس أبابا خلال القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الأفريقي: ” قد حان موعد العودة إلى البيت: ففي الوقت الذي تعتبر فيه المملكة المغربية من بين البلدان الإفريقية الأكثر تقدما، وتتطلع فيه معظم الدول الأعضاء إلى رجوعنا، اخترنا العودة للقاء أسرتنا”.
إن رغبة المملكة في استعادة مكانها الطبيعي في القارة الأفريقية والانضمام لمنظماتها من جديد هي دليل على وعيها البالغ بأن مستقبل أي بلد إفريقي لا يمكن الإعداد له إلا في إطار إفريقيا جديدة تكون، على حد قول جلالته نصره الله في خطابه المتلو بالقمة التاسعة والعشرين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي: ” إفريقيا قوية وجريئة، تدافع عن مصالحها، وإفريقيا مؤثرة على الساحة الأممية “.

حضرات السيدات والسادة
إننا نجتمع هنا اليوم، كما هو محدد في موضوع المنتدى، لمناقشة التحديات المرتبطة بإدارة المؤسسات السجنية التي يواجهها قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج في بلداننا. وتتجلى هذه التحديات في كل إفريقيا، وخاصة منطقة الساحل وجنوب الصحراء، في ظهور شبكات يتداخل فيها الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات والاتجار في البشر والجريمة المنظمة. وتستفحل أنشطة هذه الشبكات أكثر في المناطق غير المؤمنة وسهلة الاختراق، وهذا وضع مثير للقلق لأن هذه التنظيمات الخارجة عن القانون تسعى لإضعاف الدول، وهو ما يشكل في حد ذاته تحديًا أمنيًا إقليميًا مقلقًا للغاية. علاوة على ذلك، فإن النمو الديموغرافي والحضري والنسبة المهيمنة لفئة الشباب في البنية السكانية للبلدان الإفريقية، من جهة، والمشاكل الاقتصادية والسوسيو-اقتصادية والسوسيو-تربوية التي تعاني منها هذه البلدان، من جهة أخرى، تشكل مجموعة من المتغيرات من شأنها أن تشكل أسبابا موضوعية لارتكاب أنواع متعددة من الجرائم والجنح وبنسب مقلقة.

وموازاة مع هذه التحولات، فإن التقدم التكنولوجي في مختلف المجالات، لا سيما في مجال المعلومات والاتصال، وتمكن فئات عريضة من السكان لا سيما الشباب، وعلى نطاق واسع، من الاستفادة من هذه الوسائط التكنولوجية، أدى إلى ظهور مجموعة من الممارسات الإجرامية المتطورة، خاصة الجرائم الإلكترونية. إن الآثار المتفاقمة لهذه العوامل تحتم على بلداننا وضع منظومة للعدالة الجنائية، وبالأخص منظومة سجنية، تكون قادرة ليس فقط على ضمان الأمن العمومي وحماية الأفراد وممتلكاتهم، بل أيضا على إعداد وتنفيذ استراتيجيات لتهيئ السجناء لإعادة الإدماج وإحداث البنيات والمرافق الضرورية للحد من حالات العود.
إننا أمام هذا الوضع مدركون تمام الإدراك ثقل ومدى حساسية المسؤولية الواقعة على كاهل إدارات السجون وإعادة الإدماج. وانطلاقا من الاعتبارات التي سبقت إثارتها بشكل إجمالي، وعلاقة بالموضوع الذي اخترناه للنقاش وتبادل الآراء خلال هذا المنتدى، فإننا نواجه تحديات متعددة من موقعنا كمسؤولين على إدارات السجون وإعادة الإدماج. وترتبط هذه التحديات بشكل أو بآخر بِـــما يلي:

أولا، المشاكل المتعلقة بالتدبير الأمني لمختلف فئات السجناء؛
ثانيا، وضع وتنفيذ برامج التهيء لإعادة الإدماج
ثالثا، أنسنة ظروف الاعتقال.

حضرات السيدات والسادة
ينبغي أن يأخذ التدبير الأمني للمؤسسات السجنية بعين الاعتبار كون الساكنة السجنية في جميع البلدان غير متجانسة من حيث الجرائم والجنح التي يرتكبها السجناء والعقوبات المترتبة عن هذا الجرائم والجنح والوضعية القضائية للسجناء (الاعتقال الاحتياطي أو الإدانة). كما أن هذه الساكنة تختلف من حيث الخصائص الديموغرافية (لا سيما السن والجنس) والخصائص الجغرافية (الانتماء الجغرافي) والخصائص السوسيو-اقتصادية (الطبقة أو الفئة الاجتماعية بناء على المهن الممارسة أو وضعية البطالة) والسوسيو-تربوية (مستوى التعليم أو التكوين).

وتضاف إلى هذه المتغيرات أشكال التمييز القانونية القائمة بين المعتقلين الاحتياطيين، والمدانين والمكرهين بدنيا، وبين السجناء الراشدين والأحداث. ويستدعي هذا التمايز في الوضعية القانونية والقضائية للسجناء تصنيف السجناء وفقًا لمجموعة من المعايير التي يجب أن تتوافق قدر الإمكان مع المتغيرات المتعددة التي ذكرتها آنفا وأن تأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير كل واحدة منها، وذلك في ارتباط بالأهداف الخاصة بالتدبير والمراقبة. علاوة على ذلك، يجب أن يأخذ تصنيف وتدبير الساكنة السجنية في الاعتبار الإكراهات المرتبطة بالطاقة الاستيعابية للسجون، وكذا مختلف المعدات الأمنية المتاحة والقدرة التأطيريه للسجناء من طرف الموارد البشرية المتوفرة العاملة في مجال الحراسة والأمن.

وينبغي اعتبار نفس المتغيرات حين إعداد وتنفيذ برامج التهييء لإعادة الإدماج لفائدة المعتقلين. فلإضفاء النجاعة على هذه البرامج، ينبغي أن يستند إعدادها على معرفة كافية بالساكنة السجنية، أي بناء على تحديد وقياس خصائص مختلف فئات المعتقلين من أجل تحديد الاحتياجات الخاصة بالتهيئ لإعادة إدماج كل واحدة من هذه الفئات. ولكن غالبا ما تكون هناك فئات جزئية من السجناء لديها احتياجات خاصة وتكون بالتالي في حاجة إلى برامج خاصة. وعموما، كلما تم تحديد محتوى برامج التهييء لإعادة الإدماج على أساس احتياجات خاصة بمجموعات محددة من السجناء، كلما كانت لهؤلاء فرص أفضل للتوفق في إعادة الإدماج بعد الافراج. ومن الواضح أن تنفيذ برامج التهيئ لإعادة الإدماج يتطلب توفير مجموعة من البنيات والمرافق، مما يستوجب أخذ متطلبات التهيئ لإعادة الإدماج بعين الاعتبار حين إعداد التصاميم الهندسية للمؤسسات السجنية.

حضرات السيدات والسادة
إن المتابعة القضائية للمواطنين أو إدانتهم بأية عقوبة سجنية كانت لا تعنيان بأي حال من الأحوال تجريدهم من المواطنة ولا حرمانهم من كرامتهم الإنسانية، بل إن التوجه الإصلاحي في تدبير الساكنة السجنية يحتم على المسؤولين بقطاع السجون وإعادة الإدماج الحرص على أنسنة ظروف الاعتقال، واعتماد مقاربة خاصة في معاملة السجناء تقوم على احترام حقوق الإنسان وإعطاء الأولوية للتهذيب والإصلاح. وبناء على ذلك، يجب ألا تمس المقاربة الأمنية في تدبير السجون بأي حال من الأحوال بالسلامة الجسدية والمعنوية للسجين، وهذا بالتحديد ما تنص عليه قواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، وكذا المقتضيات التشريعية والتنظيمية المستلهمة منها.

وأود أن أؤكد لكم أنه من خلال تجربتي بقطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج، ليس هناك أي تعارض بين الجهود المتواصلة من أجل أنسنة ظروف الاعتقال، لا سيما ما يتعلق بالمعاملة الإنسانية للسجناء، وبين المتطلبات الأمنية التي ينبغي أن تستجيب لها إدارة السجون. إن التعاون الوثيق والمفتوح مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان باعتباره المؤسسة الوطنية المكلفة بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها بالمغرب، والانفتاح على عدد من الجمعيات الجادة والكفأة، النشيطة في مجال حقوق الإنسان أو في مجال العمل الاجتماعي والثقافي، لم يكن له أي تأثير سلبي على عمل المندوبية العامة في ما يتعلق بالحفاظ على أمن المؤسسات السجنية وسلامة نزلائها. وخلافا لبعض الأحكام المسبقة المتجاوزة، فإن هناك تكاملا وانسجاما بين الأصناف الثلاثة للمتطلبات التي يجب على إدارة السجون أن تراعيها، والمتمثلة في الحفاظ على الأمن والانضباط وتهيئ السجناء لإعادة الإدماج وأنسنة ظروف اعتقالهم.

ومن الواضح أن تدبير قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج بالشكل المطلوب يستلزم التعاون والتنسيق مع جميع القطاعات الشريكة التي تتقاطع مجالات تدخلها مع اختصاصات إدارة السجون وإعادة الإدماج. وبالنظر إلى التحديات الأمنية الضاغطة التي أشرت إليها والتي يتعين على البلدان الإفريقية مواجهتها حتى تكون قادرة على ضمان أمنها الداخلي وبالتالي تعزيز تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، فإن إدارات السجون وإعادة الإدماج مدعوة باستمرار إلى إقامة علاقات تنسيق إجرائي وثيق ومستمر مع الأجهزة الأمنية، لا سيما في ما يتعلق بتدبير فئات السجناء التي تكون على درجة عالية من الخطورة، كالسجناء المتابعين أو المدانين بتهم التطرف والإرهاب، والسجناء المتورطين في الجريمة المنظمة، وتجار المخدرات والسجناء الخطيرين. وفي هذا الصدد، فإن قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج يكتسي كل خصائص القطاعات السيادية، وهو بحكم طبيعة مهمته الأمنية والإصلاحية في آن، يعتبر جزءًا لا يتجزأ من مصالح الدولة التي يعهد إليها بالسهر على الأمن الداخلي للبلاد.

وينبغي إيلاء نفس الاهتمام للتعاون والتنسيق مع القطاع القضائي، وذلك بالنظر إلى أن قطاع السجون وإعادة الإدماج يتحمل مسؤولية تنفيذ العقوبات السجنية بموجب القرارات القضائية الصادرة عن مختلف المحاكم. وبالإضافة إلى العلاقات الوظيفية التي تربط بين هذين القطاعين، فإنه يتوجب عليهما أن ينسقا في ما بينهما من أجل تطبيق ذكي لسياسة جنائية مبنية على أسس عقلانية، تتكيف مع التطورات التي تشهدها مجتمعاتنا، وتأخذ بعين الاعتبار الإكراهات التي تواجهها المؤسسات السجنية وضرورة توفير الظروف المناسبة لتهيئ السجناء لإعادة الإدماج، بالأخص من خلال توسيع دائرة العقوبات البديلة وترشيد الاعتقال الاحتياطي ما أمكن.

ولن يتأتى ذلك إلا عبر إجراء إصلاح شامل للسياسات الجنائية في البلدان الإفريقية يجعل من مقتضيات القانون الجنائي والعقوبات السجنية التي تنص عليها ليس فقط إجراءات زجرية، بل أولا وقبل كل شيء آليات إصلاحية من بين آليات أخرى توضع لنفس الغرض، خاصة وأن الهدف الأساسي للمنظومة الجنائية ليس العقوبة بحد ذاتها، بل حماية المجتمع من الفوضى، ما يستوجب الحرص على منع أسباب العود من خلال تمكين السجناء من الوسائل الضرورية لإعادة إدماجهم الاجتماعي. فكما لا يخفى علينا جميعا، فإن هناك علاقة ترابط موضوعية فاعلة، قابلة للملاحظة الإحصائية، بين الجرائم والجنح التي يرتكبها نزلاء المؤسسات السجنية والخصائص السوسيو-اقتصادية والسوسيو – تربوية والسوسيو- فضائية التي تكتسيها الأوساط التي ينحدرون منها. لذلك، من الأوجه والأنجع التحكم في هذه الخصائص كمتغيرة ثابتة بدل التركيز على الممارسات الداعية للردع التي يمكن أن تنجم عنها، على اعتبار أن هذه الممارسات ما هي إلا متغيرة تابعة.

حضرات السيدات والسادة
إن قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج لا يستطيع بإمكانياته الذاتية إعداد السجناء لإعادة الإدماج، فأحد الإكراهات الأساسية التي يواجهها هذا القطاع هو ضمان انخراط فعال ومستمر للقطاعات المعنية، وبالأخص القطاعات المكلفة بالتربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني والتشغيل والشباب والرياضة والأسرة والصحة والثقافة والصناعة التقليدية، حيث يكتسي انخراط هذه القطاعات أهمية كبرى بل وضرورة ملحة ما دام أنه يفترض في كل واحد منها التوفر على الخبرة اللازمة في مجال تخصصه وعلى الوسائل المادية واللوجستية الضرورية لوضع وتنفيذ برامج إعادة التأهيل الخاصة به.

كما ينبغي على هذه القطاعات القيام بمهامها بشكل فعلي في هذا المجال، سواء أثناء تنفيذ الأحكام أو بعد الإفراج. ففي غياب برامج التهيء لإعادة الإدماج بالسجون وبرامج الرعاية اللاحقة، لا يمكن مكافحة ظاهرة العود التي نخشى أن تبلغ نسبا مثيرة للقلق بالنظر إلى التحولات الهامة التي تشهدها مجتمعاتنا، والمشاكل المختلفة التي تنجم عنها والتي سبق أن تطرقت إليها في بداية هذه الكلمة.
إننا جميعا واعون بمدى تعقيد مهمة قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج في بلداننا والإكراهات التي نواجهها خلال اضطلاعنا بها. فكيف يمكن لإدارات السجون وإعادة الإدماج أن تتحمل المسؤولية الكاملة على أمن المؤسسات السجنية وسلامة نزلائها وموظفي السجون، خاصة في ما يتعلق بمكافحة العنف والاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية واستهلاكها وأعمال التمرد والعصيان والتطرف في السجون، إذا لم تتوفر على ما يكفي من الوسائل البشرية والمادية واللوجستية؟ وكيف يمكنها بدون هذه الوسائل إعداد وتنفيذ برامج تهيئ السجناء لإعادة الإدماج تكون قادرة على منع أسباب العود وتحسين ظروف الاعتقال بالمؤسسات السجنية؟ وبشكل عام، كيف يمكنها المساهمة في مكافحة استفحال مختلف أشكال الانحراف في مجتمعاتنا في غياب هذه الوسائل وغياب سياسة جنائية تمكنها من الوسائل القانونية والمؤسسية اللازمة، وتضمن الانخراط الفعال للقطاعات الأخرى المعنية بتهيئ السجناء لإعادة الإدماج؟

علينا العمل بما يفرضه علينا وعينا الذي تعبر عنه هذه التساؤلات الحارقة. فعلى دولنا تعزيز الموارد المادية والبشرية لقطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج، وإصلاح السياسة الجنائية وانخراط أكبر وأكثر فعالية للقطاعات المعنية بإعداد وتنفيذ برامج التهيء لإعادة إدماج السجناء، فحين توفر هذه الشروط، وحينئذ فقط، يمكن لهذا القطاع القيام بمهمته المتمثلة في السهر على المساهمة في الحفاظ على الأمن الداخلي لبلداننا وإعداد السجناء لإعادة الإدماج. وكلنا أمل في أن يشكل هذا المنتدى الخطوة الأولى في هذا المسار.

حضرات السيدات والسادة
لقد بادرت المندوبية العامة إلى تنظيم هذا المنتدى لجعله أرضية للنقاش وتبادل الخبرات في مجال إدارة السجون وإعادة الإدماج بالبلدان الإفريقية. لذلك، سأغتنم هذه الفرصة لأستعرض أمامكم وبإيجاز كبير التجربة المغربية في هذا المجال. فقد قامت المندوبية العامة بإعداد وتنفيذ استراتيجية تشمل أربعة محاور رئيسية، وهي أنسنة ظروف الاعتقال وتهييء السجناء لإعادة الإدماج وتعزيز وسائل التدبير الأمني وعصرنة التدبير الإداري.
فمن أجل أنسنة ظروف الاعتقال، قامت المندوبية العامة بتعزيز حظيرة السجون من خلال بناء مؤسسات جديدة تستجيب للمتطلبات الحديثة المرتبطة بالأمن والصحة والتهيء لإعادة الإدماج، علما أن بعضا منها تم بناؤه لاستبدال السجون القديمة والمتهالكة، والتي لا تستجيب للمتطلبات المذكورة. وقد تم بناء 18 مؤسسة سجنية خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2019. كما عززت المندوبية العامة الخدمات الصحية لفائدة السجناء من خلال توفير التغطية الطبية بجميع المؤسسات السجنية، سواء بإمكانياتها الذاتية أو من خلال الولوج إلى الخدمات الطبية التي تقدمها المستشفيات العمومية أو الاستفادة من الحملات الطبية التي تنظمها الجمعيات والمنظمات النشيطة في هذا المجال والتي تربطها علاقات شراكة مع المندوبية العامة.

ولتحسين تغذية المعتقلين، وتخفيف العبء على أسرهم ومكافحة الاتجار واستهلاك المخدرات والمؤثرات العقلية واستخدام الهواتف المحمولة والتجهيزات الإلكترونية التي تشكل تهديدا خطيرا لأمن المعتقلين والمؤسسات السجنية، قامت المندوبية العامة بمنع قفة التغذية وعهدت إلى شركات خاصة بإعداد وتوزيع وجبات غذائية على السجناء، وتحرص من خلال المراقبة الدائمة على استجابة هذه الوجبات للمعايير الكمية والكيفية الضرورية لضمان تغذية صحية ومتوازنة لهم.
وبالإضافة إلى ذلك، أعدت المندوبية العامة مشروع إصلاح شامل للإطار التشريعي والتنظيمي المنظم للمؤسسات السجنية لإدراج التوجهات الجديدة الواردة في الدستور الجديد للمملكة والقاضية بصون كرامة المعتقلين وحقوقهم، بما في ذلك الحق في الولوج إلى برامج التهيء لإعادة الإدماج. كما عملت على إدماج قواعد نلسون مانديلا لمعاملة السجناء في هذا المشروع.

وبالنسبة للجانب المتعلق بإعداد السجناء لإعادة الإدماج، عملت المندوبية العامة على تعزيز البرامج الكلاسيكية المتعلقة بالتعليم ومحو الأمية والتكوين المهني. ففي مجال التكوين المهني، وتماشيا مع متطلبات سوق الشغل، أدرجت المندوبية العامة شعبا جديدة لفائدة السجناء في مجالي الفلاحة والصناعة التقليدية. وبناء على تحديد حاجيات مختلف فئات السجناء، تم إعداد وتنفيذ برامج للعمل الاجتماعي والثقافي والمصاحبة النفسية والروحية سواء اعتمادا على الإمكانيات الذاتية للمندوبية العامة أو في إطار الشراكات القائمة مع الفاعلين المؤسسيين والمنظمات غير الحكومية والمعنيين بمحتويات هذه البرامج. وموازاة مع ذلك، قامت المندوبية العامة بإعداد برامج جديدة من قبيل: • ورشات ومسابقات الإبداع الفني والأدبي لتشجيع النزلاء على اكتشاف واستغلال طاقاتهم الإبداعية

• برنامج الجامعة في السجون (سبع نسخ حتى الآن) الذي يشكل أرضية للنقاش وتبادل الآراء، يلتقي في إطاره السجناء المتفوقون في مختلف الشعب التعليمية والتكوين المهني بشخصيات أكاديمية وفنية وأدبية أو نشيطة في المجال الجمعوي لمناقشة مواضيع ذات أهمية كبيرة بالنسبة لإعداد السجناء لإعادة الإدماج؛
• اللقاء الوطني لفائدة السجينات؛
• اللقاء الوطني لفائدة السجناء الأحداث الذي عوض باللقاء الصيفي لفائدة السجناء الأحداث؛
• اليوم الوطني للسجين؛

وينبغي الإشارة في هذا الإطار إلى أنه فضلا عن ولوجهم إلى باقي البرامج، يستفيد السجناء الأجانب في المؤسسات السجنية بالمغرب من برامج خاصة تتجلى في تعلم اللغة العربية واللغة الدارجة والثقافة المغربية. وتسعى هذه البرامج إلى إدماج أفضل لهذه الفئة من السجناء في الوسط السجني وتهييئهم بذلك لإعادة الإدماج.
وبخصوص مكافحة التطرف في السجون، قامت المندوبية العامة بإعداد وتنفيذ برامج خاصة، لا سيما برنامجا “مصالحة” والتثقيف بالنظير.

فبالنسبة لبرنامج “مصالحة”، فهو يشكل تجربة فريدة من حيث مضامينه وأهدافه وطريقة تنفيذه، ويستهدف السجناء المدانين بموجب المقتضيات الخاصة بمحاربة التطرف والإرهاب. ويسعى هذا البرنامج إلى مصالحة هذه الفئة من السجناء مع ذواتهم، ومع النصوص الدينية ومع المجتمع. وقد تم إعداد وتنفيذ هذا البرنامج بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والرابطة المحمدية للعلماء ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، وبمشاركة فعالة لخبيرين، أحدهما في علم النفس الإكلينيكي وتدبير الأزمات والثاني في علم الاقتصاد، وبمساهمة وازنة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، ووزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنيابة العامة. وقد تم في إطار هذا البرنامج تنظيم 5 دورات، تم خلالها تكوين ما مجموعه 139 سجينا، 69 منهم استفادوا من العفو الملكي السامي. وقد تم تخصيص الدورة الخامسة لفائدة 10 سجينات.

أما برنامج التثقيف بالنظير فيتعلق بإجراء تكوين من طرف خبراء من الرابطة المحمدية للعلماء وأطر من المندوبية العامة لفائدة مجموعة من السجناء قاموا هم أنفسهم بعد ذلك بالترويج لخطاب ديني يرتكز على الاعتدال والتسامح في صفوف باقي السجناء. وقد استفاد لحد الآن أكثر من 35000 سجين من هذا البرنامج.
ولتنفيذ برامج التهيء لإعادة الإدماج ومعالجة المشاكل المتعلقة بتسيير المؤسسات السجنية بشكل عام، تعتمد المندوبية العامة بشكل مستمر على مساهمات اللجنة الوزارية التي تم إحداثها خصيصا لمساعدة المندوبية العامة في تنفيذ مهامها.

لكن تهيئ السجناء لإعادة الإدماج لا يمكن أن يؤتي ثماره في غياب برامج للرعاية اللاحقة. في المغرب، تضطلع بهذه المهمة الأساسية مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء التي تم إنشاؤها من طرف جلالة الملك نصره الله منذ 17 سنة. فالخبرة التي اكتسبتها في هذا المجال جعلتها تحظى بتقدير وتنويه مستحقين على الصعيدين الوطني والدولي. وتوفر المؤسسة من خلال مراكز المواكبة التابعة لها الدعم لفائدة السجناء المفرج عنهم اعتمادا على استراتيجية مندمجة تشمل أربعة محاور رئيسية، وهي الجانب الاجتماعي المتعلق بتقويم سلوك السجين المفرج عنه ودمجه في بيئته الأسرية والاجتماعية، والجانب القانوني والإداري المنصب على المساعدة في هذا المجال، والجانب الصحي الذي يخص تقديم المساعدة الطبية، والجانب الخاص بإعادة التأهيل التربوي والسوسيو-الاقتصادي.
وإذ تدرك كل من المندوبية العامة ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء التكامل القائم بين مهامهما والواجب المشترك الملقى على عاتقهما في ضرورة إنجاح مسلسل إعادة الإدماج الاجتماعي للسجناء، ومن ثم التصدي لظاهرة العود، فهما في علاقة تنسيق دائم ووثيق. ونحن نعتبر أن هذه الشراكة هي ممارسة نموذجية يمكن أن تلهم إخواننا الأفارقة.

حضرات السيدات والسادة
ومن أجل الاضطلاع بمهمتها على الوجه المطلوب، تبذل المندوبية العامة جهودا كبيرة لتحديث طريقة تدبير المؤسسات السجنية وتجويد الحكامة بها، وذلك من خلال إعادة الهيكلة التنظيمية للمندوبية العامة، وتأهيل وسائل العمل والتدبير، وبالأخص من خلال وضع نظام معلوماتي لتدبير مختلف الجوانب المتعلقة بإدارة السجون وإعادة الإدماج. وقد تطلب ذلك إعداد تكوين أساسي ومستمر ومركز من أجل مواكبة هذه التغييرات، ولتطوير كفاءات موظفي السجون في المهن الموضوعاتية الأساسية لإدارة السجون وإعادة الإدماج المتمثلة في التدبير الأمني للمؤسسات السجنية وتهيئ السجناء لإعادة الإدماج. وللاستجابة لمتطلبات أنسنة الوسط السجني، قامت المندوبية العامة كذلك بإدراج مقاربة خاصة في برامجها التكوينية تنبني على احترام حقوق الإنسان في معاملة السجناء.
ويتكلف مركز تكوين الأطر الذي يستجيب للمعايير الحديثة في التكوين والتدريب بتقديم النوعين المذكورين من التكوين، مستفيدا في ذلك من الشراكات التي تقيمها المندوبية العامة والبرامج التي تضعها بتعاون مع فاعلين حكوميين وغير حكوميين، وطنيين وأجانب. وأود في هذا الصدد أن أشير إلى أن مركز تكوين الأطر قد استقبل في إطار دورات تدريبية مجموعة من موظفي السجون من مختلف البلدان الإفريقية مثل تنزانيا والنيجر ومالي. كما أود أن أغتنم هذه الفرصة لأؤكد لكم أن المركز سيكون مفتوحا أمام أطركم للاستفادة من دورات تكوينية وتدريبية به.
ولا بد أن أقر أن المندوبية العامة قد استفادت كثيرا من الشراكات وبرامج التعاون الدولي، سواء مع المنظمات الحكومية أو غير الحكومية أو التابعة للأمم المتحدة، وذلك في إطار تنفيذ استراتيجيتها من أجل الإصلاح وتحديث وتطوير قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج. وأنتهز هذه الفرصة لأحيي جودة هذه الشراكات والبرامج وأوجه خالص شكري إلى جميع شركاء المندوبية العامة.

حضرات السيدات والسادة
في إطار هذا المنتدى الذي يمتد على مدى يومين، سيتم عقد ثلاث جلسات وسيكون بإمكان المشاركين خلالها الدخول في مناقشات بناءة حول المقاربة الأنسب والأنجع في مجال التدبير الأمني للمؤسسات السجنية والتهييء لإعادة إدماج السجناء وأنسنة ظروف الاعتقال وتحديث إدارة السجون والرفع من مستوى الحكامة الجيدة بها، وكذا الوسائل المؤسساتية والمادية واللوجستية والبشرية التي يجب وضعها لتحقيق هذه الأهداف ومواجهة التحديات والإكراهات ذات الصلة. وعلى هذا الأساس، سيفتح لكم المجال لتبادل تجاربكم الخاصة في مجال إدارة السجون وإعادة الإدماج، مع إيلاء اهتمام خاص لتدبير فئة السجناء المتابعين أو المدانين طبقا للمقتضيات الخاصة بمحاربة قضايا التطرف والإرهاب.

وقد تمت برمجة زيارة للمشاركين في المنتدى إلى مركز تكوين الأطر التابع للمندوبية العامة وإلى السجن المحلي تيفلت 2. وستتيح لكم هذه الزيارة التعرف بعين المكان على برامج تكوين موظفي السجون والوسائل المخصصة لذلك وكذا الموارد المادية واللوجستية والبشرية الخاصة بتدبير المؤسسات السجنية في المغرب.
ومن أجل استثمار أشغال هذا المنتدى وضمان تقارب الأهداف الرامية إلى تحقيق المبادرات المشتركة بين بلداننا في ما يتعلق بإدارة السجون وإعادة الإدماج، فإننا نقترح وضع خطة عمل مشتركة يمكن أن تشكل أرضية لإعلان مشترك يصاغ ويوقع في ختام أشغال هذا المنتدى.

أملنا جميعا أن يشكل هذا المنتدى الذي تتشرف المملكة المغربية باحتضان نسخته الأولى اللبنة الأساس لبناء صرح التعاون بين البلدان الإفريقية في مجال إدارة السجون وإعادة الإدماج.
وفي الأخير، أود مرة أخرى أن أتوجه إليكم بخالص شكري لمشاركتكم في هذا المنتدى، مع تمنياتي لأشغاله بالنجاح حتى يكون في مستوى تطلعاتكم.

التعليقات مغلقة.