وكالة الأحداث الدولية تنعي وفاة شهيد المنبر فضيلة الأستاذ الجليل رشيد حداش تغمده الله برحمته وطيب ثراه.

303

بقلم : ذ. محمد بدران

 

بسم الله الرحمن الرحيم : “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”

بقلوب راضية، ملؤها الإيمان بقضاء الله وقدره، والتسليم لإرادته،
تنعى وكالة الأحداث الدولية ، عائلة المرحوم أستاذ رشيد حداش وأقاربه ومحبيه” ونشاطرهم آلامهم وأحزانهم بهذا المصاب الجلل وَنتقدم إليهم بأحر التعازي وبمشاعر المواساة وَالتعاطف وَالمحبة والأخوة.
و”إنا لله، وإنا إليه راجعون”

يوم الأحد 2 فبراير من عام 2020 لبى الأستاذ رشيد حداش نداء ربه وسحبته المنايا من أمام أعيننا خلسة بعد طول عراك ونزال ومقاومة شرسة لداء ومرض عضال لم ينفع معه لا علاج ولا دواء وهكذا ربنا قدر وشاء.
في هذا اليوم البارد من بداية شهر شباط نزل علينا الخبر كالصاعقة الحارقة بفقدان المعلم الفقيه المتقي المجدد والواعظ الداعية الأديب وخطيب مسجد الخليل الحافظ اللبيب ، المحب لأثر السنة الطاهرة والحافظ للقرآن المجيد.

في العاصمة الأوروبية بروكسيل عاش وبها درس وتتلمذ على كبار الشيوخ وأخذ عن أساتذة علوم اللغة العربية والفلسفة والفقه والحديث والأديان فضلا على علوم العقيدة والشريعة والتجويد والقرآن، كما شغل مهام تدريس التربية الإسلامية ومناصب بالمعهد والمركز الاسلامي والثقافي لبلجيكا سنين طويلة وأعوام . فكان تقي العرف مسامح الطبع متجاوز المدى يتخلق بنبل الأخلاق والالتزام ، أهلا للفضل والعلم والحكمة يحذى ويقتدى على منابر مساجد أوروبا. ينشر الدعوة بأسلوبه المعتدل الذي كان سببا في تصحيح عقيدة الشباب المسلم واعتناق الأوروبيين الاسلام متنقلا من مكان إلى مكان والبسمة والنور تشرقان من وجنتيه وجبينه كبريق المرجان قبل أن ينهكه الداء ويحطمه الابتلاء فيكتفي فقط ببلجيكا وبالاعتكاف على الخطب والإفتاء، لم ينل منه لا العجز ولا المعاناة ولم يسكت صوته ويضعف قوته لا المرض ولا العناء بل زاده جرأة في إبلاغ كلمة الحق والدعوة وقول كلمة الصدق والتحلي بصفة الأستاذ ذي البصيرة القلبية والتوجيه الصادق ، العالم والعارف والأب والمعلم صاحب الولاء.

عرفه الجميع نورا مجندا لخدمة الاسلام والإيمان، يضيء ثغرة عميقة وما أكثر ثغور الأوطان في هذا الزمان ، كما عرفته بروكسيل ومولامبيك بسيمته الخاصة وميزته الفريدة ولكنته للغة موليير المعهودة التي شدت إليها فلذات أكبادنا بانطباعه المتميز وتواضع وهيبته واتزانه وانضباطه المكسو بالانبساط والتهذيب والاعتدال. عرفناه مكافحا مناضلاً عن أمته متابعا لأحوال الشباب مدرسا ومربيا وخطيبا ناصحا ومفتيا بقلمه ولسانه برؤية متوازنة لا تغرب وبصيرة واعية لا تنضب يغير عن المنهج والانتماء.

بِأيّ تعبير أنعيك وبأية كلمات سأُرثيك، حتى عجز لساني وقلمي عن استرسال مدحك ولم يصبر قلبي بين الأسى والعَبَرات عن تقبل غيابك الأبدي ورحيلك. وأي وصف مهما علا شأنه لا يفيك حقك ولا ينزلك أبدا بمنزلة قدرك.

لا كلمات ولا ألفاظ ولا جمل أسعفتني في رثاء أستاذنا وأخينا رشيد حداش ولا النثر ولا الشعر حتى ولا الإيحاء ، تقودني الأحزان إلى حضن المآسي لعناق الغمّ فأهوى لعناق النحيب والبكاء… رحيلك أيها الشيخ الجليل كان على قلبي ثقيل فكيف يصمد له أنين المنابر والحجر وصوت انفطار الكدر، كيف يا ترى ينساك الجيل والرعيل وحلقات الدروس ومسجد الخليل في كل جمعة ولقاء صبيحة ومساء.

برحيلك فقدنا رجلا في العلم لا يقاس وخيّرا في القوم وابن ناس ،فغزتنا الأحزان وهدت منا كل أركان وتقطعت لها قلوبنا من الهول وتصدع الدمع في العيون وحرمنا ليلتها النعاس وسال دمنا حزنا خفية من غير شريان في كل قيام وغدوّ أو عند سماع مدح أو رثاء أو ترتيل قرآن وضاقت بنا الأنفاس.

لا آذاننا تحملت فقدان سيولة كلماتك وخطبك ولا القلب قادر على جفاف عيونك وينابيعك وأنت من علمتنا الغوص و كيفية الإبحار في درر الدروس وكنوز المعارف وطلاوة الإيمان، يا من ألف الشباب ملامحك كما أستأنس الجميع بحلاوة كلماتك وارتاح لبريق بسمتك ونكتك واستملاحاتك واستحلى بعطر أنفاسك و طيبوبة جوارحِكَ .

نعم ، برحيلك فقدنا الأستاذ النبيل والواعظ الأمين والشيخ والخطيب الجليل إذ نحسبك واحدا من رواد عصرنا وواعظا من أبرز واعظينا ولم تترك لنا من ذكرياتك غير سنين قليلة كنا نحسبها دهرا ومواعظ عاطرة لا تبلى نسلي بها نفوسنا قهرا لما تشتاق لصوتك مسامعنا أو تسقط عبرات الأسى على ذاكرتنا لدربك ونهجك لاستقامتك ونصائحك التي لن تموت أبدا ما دمت حيا فينا .

وصدق من قال:

الأرضُ تحيى إذا ما عاش عالمُها ***متى يمت عالمٌ فيها يمت طرف
كالأرض تحيى إذا ما الغيث حلَّ بها ***وإن أبى عاد في أكنافها التلف

بالفعل فقدنا في الطب طبيبنا ونحن بالعلم نسقي القلوب ونشبع الأرواح ، ماذا بقي لنا بعد الجراح والمعالج خطفته المنية وراح ، غاب عنا إلى دار الخلد وعالم الأرواح ، سبقنا إلى هناك ، كيف ننسي مصابنا الجلل والجراح، وكيف نكفكف الدمع ونستر الولع في كل غَدْوةٍ ورَوَاحِ . وأنت كنت فينا العزيز وأشرف نزيلا ، فمنبرك غدا يتيم المنابر ومسجد الخليل المتيم لم يعد له بعدك خليلا.

قلوبنا يا سادة تدمي حسرات ،والفرحة تمسح من وجداننا العبرات، أستاذنا حدّاش حي معنا ما مات ، هكذا نحسبه والله تعالى حسيبه، مرّ من هنا وفات لكن فكره وعلمه معنا عاش، يا دمعة تجمدي ويا نفس اهدئي لن يدوم عليها أحد ولا معاش. ما مات من غرس الورد وسقى الود وأوفى بالعهد، وإن فارقنا اليوم ظله فرحمة الله لنا في جنان الخلد غطاء وفراش.

انتقلت أيها الصديق اللبيب إلى جنب الرفيق الأعلى وكل ما عند الله خير وأبقى.. فهنيئا لك ولروحك الطاهرة في ذمة الرحمن الذي أحبها فيسّر لها العلم والتعلم والإيمان والفقه والقرآن تسبح فرحة بلقاء الحبيب في سماء النسيم حيث عطر الجنان والعبق والريحان.

وفي الختام : أنعي للجالية المغربية ولكل الجاليات العربية والإسلامية في العالم وفاة أستاذنا وشيخ الشباب الأوروبي المسلم العلامة المربي الفقيه الورع الأستاذ خالد محمد حداش رحمه الله، و” إنا لله وإنا إليه راجعون” إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا… وإنا على فراقك يا أستاذ حداش لمحزونون.

اللهُـمِّ إنه عَبْـدُكَ وَابْنُ أَمَـتِك، احْتـاجَ إِلى رَحْمَـتِك، وَأَنْتَ غَنِـيٌّ عَنْ عَذابِـه، إِنْ كانَ مُحْـسِناً فَزِدْ في حَسَـناتِه، وَإِنْ كانَ مُسـيئاً فَتَـجاوَزْ عَنْـه ، اللهم أشهد أنه كان يحبك ويحب نبيك ويغار على دينك وحرماتك فاجزه عن أمة نبيك محمد صلىوسلمَ خير الجزاء،اللهم ارفع درجته في عليين وتقبله في الشهداء والصالحين وارض عنه واغفر له وَارْحَمْـه ، وَعافِهِ وَاعْفُ عَنْـه ، وَأَكْـرِمْ نُزُلَـه ، وَوَسِّـعْ مُدْخَـلَه ، وَاغْسِلْـهُ بِالْمـاءِ وَالثَّـلْجِ وَالْبَـرَدْ ، وَنَقِّـهِ مِنَ الْخطـايا كَما نَـقّيْتَ الـثَّوْبُ الأَبْيَـضُ مِنَ الدَّنَـسْ ، وَأَبْـدِلْهُ داراً خَـيْراً مِنْ دارِه ، وَأَهْلاً خَـيْراً مِنْ أَهْلِـه ، وَزَوْجَـاً خَـيْراً مِنْ زَوْجِه ، وَأَدْخِـلْهُ الْجَـنَّة ، وَأَعِـذْهُ مِنْ عَذابِ القَـبْر وَعَذابِ النّـار.

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعله في الفردوس الأعلى ، واجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وسيد المرسلين والهم أهله وذويه وأحبابه الصبر والسلوان وحسن أولئك رفيقاً وذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ، فأجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها يا أرحم الراحمين.

التعليقات مغلقة.