فُنُونُ الغُوايَةِ والتَّلاعُبِ بالعُقُولِ

154

بقلم : الدكتور بليغ حمدي إسماعيل / مصر.

 

إصرار الكثيرين في الوطن العربي تحديدا مصر المحروسة على أن السلاح الأول والأخير لمواجهة طغيان الفوضى والعبث والعشوائية هو العلم والمعرفة ، ورغم أن المعرفة في حد ذاتها هي الغواية الأولى للإنسان ، فبعيدا عن التفسيرات الدينية والتأويلات الفلسفية التي دفعت آدم ( عليه السلام ) وزوجه حواء لتناول التفاحة من الشجرة المحرمة التي أدت بهما إلى التعري والخروج المطلق من الجنة هبوطا إلى الأرض ، وكيف وسوس لهما الشيطان بمكره وغروره ودهائه وما ساعده من فطرة آدم وزوجه في الاستجابة ، فإن المعرفة ودافعيتها جعلتا آدم وزوجه رهن إجابة طلب إبليس لاسيما وأن باب دخوله كان الغرور ، ثم طمعا في جنة الخلد ، الأمر الذي دفع كليهما ـ آدم وزوجه ـ إلى اقتناص المعرفة ومن ثم الفوز بنتيجتها . فالمعرفة ليست كما يظن ويدعي رواد ريادة الأعمال المعاصرون اليوم بأن البوابة الرئيسة التي ينبغي أن نصل إليها ، لأنها بالفعل كانت منذ بدء شرارة الغواية الأولى صوب شجرة الخلد الحلم الذي يسعى يظل هاجسا ومحركا دون توقف أو خمود .

وانطلاقا من المعرفة التي ظلت منذ العهد البشري الأول غواية أولى تستحيل بمرور الزمن وتطور الأدوات والأساليب سهلة القنص و في أثناء البحث عن النواتج الفعلية لطرح العالمي الدكتور أحمد زويل العلمية والبحثية ، توقفت طويلا أمام بعض الأقوال الرصينة التي من شأنها أن تدفع بها وزارة التربية والتعليم على أغلفة الكتب المدرسية لأنها بحق خير دافع لنهل المعرفة ولتمكين العقل البشري ، ومن هذه الأقوال : عندي أمل كبير أن هذه الجائزة الأولى سوف تلهم الأجيال الشابة في الدول النامية وتحثهم على الأخذ بأسباب العلم والاعتقاد بإمكانية الإسهام في دنيا العلوم والتكنولوجيا على المستوى العالمي ” ، وهو هنا يتحدث عن فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء .
ومن أقواله المتميزة أيضا : ” إن المجتمع العلمي له ثلاث دعامات رئيسة وهي العلم, التكنولوجيا والمجتمع فمن العلم تنشأ التكنولوجيا والتي بالتالي تساعد .علي تطويره والإثنان لا يتواجدان إلا إذا كان المجتمع يقدر ويدرك أهمية العلم” .

ودوما ما نجد أحمد زويل يعتز بالتاريخ العلمي العلمي الذي له فضل كبير على نهضة وتطور العلم في الغرب وقتما كان الغرب في غرق كبير وطويل في غياهب الجهل وفقر المعرفة ، فنجده يؤكد على حقيقة مفادها : ” الأوروبيين ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح … أما نحن فنحارب في الناجح حتى يفشل ” . ويعطينا الدكتور أحمد زويل روشتة إنسانية تدعم حق التخييل وقوة الخيال في تغيير الواقع للأفضل بل وجعله أكثر إنسانية لخدمة البشرية عموما ، وهذا ما وجده في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقول : الجميل في أمريكا وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، واذا لم يتخيل العالم ويحلم، سيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئا.

وفي ظل الحديث عن العلم والعلماء تجدر الإشارة إلى سؤال يفرض نفسه بقوة على عالمنا العلمي العربي وهو هل يختلف العلماء حول حقيقة مطلقة وهي أن الحجج والإحداثيات الداعمة التي تستخدم في تأييد العلم لا تستند إلى التعصب؟ ورغم أن الإجابة التي تفيد بالنفي تأتي بأن هناك ثمة اختلافات بين أهل العلم كونه يمثل أحد منطلقات بناء الإنسان المعاصر ، وهذه الاختلافات لا تأتي من باب ما يحدثه العلم في صناعة العقل البشري وتأسيسه لمواجهة التحديات المعاصرة ، بل من حيث تعصب أهل التخصص الواحد . فعلى سبيل المثال نجد اتفاقا بارزا بين المتخصصين في الفيزياء على إطلاقها العام ، لكن نرى في نفس الوقت التصارع وليس التسارع العلمي بين الفيزياء كأحد العلوم الأساسية وبين تدريسه في مدارسنا العربية وهذا الاختلاف لا ينشأ إلا في ظل حضارات في طريقها إلى التقويض وليس التشييد.

هذا باختصار ما سعيت لتقدمة آخر كتب العالم الفيزيائي الأميركي ذي الأصول اليابانية الدكتور ميشيو كاكو Michio Kaku الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لمشاركته الفعالة في نظرية الأوتار الفائقة والتي تعد بحق إحدى النظريات الاستثنائية الموحدة للطاقات في الكون . والكتاب هو ( مستقبل العقل .. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته ) والذي قام بترجمته هذا العام 2017 الدكتور سعد الدين خرفان أستاذ الهندسة الكيميائية بسورية التي لا تزال تل أبيب تسعى وتحاول وتهرول جاهدة إلى تقويض أركانها وتفتيت دعائمها مدعمة بالمد والرفد الأميركي .

فباستخدام تقنية MRI أمكن للعلماء قراءة الأفكار التي تدور بعقولنا ، هذا حقاً ، بل ربما يندهش المهمومون بتجديد الخطاب الديني ـ وأنا من هؤلاء ـ بأن علماء شركة IBM حاليا مغرورقون بإمكانية التواصل بالعقل مع الحاسبات الإلكترونية كبديل عن استخدام الفأرة أو الصوت ، ليس هذا فحسب ، بل دفع الفواتير ببطاقة الائتمان عن طريق قراءة الأفكار وتأليف أعمال موسيقية باهرة . وربما سيقص أحفادي بعد قرون قصصهم عن ما تناوله ميشيو كاكو في كتابه من أن العقل سيتحرر يوما ما في المستقبل البعيد من قيود الجسد ، ليتجول بين النجوم ، وربما سيكون بإمكان المرء أن يضع مخططاته العصبية بالكامل على أشعة الليزر وإرسالها بعد ذلك إلى أعماق الفضاء .

وفي نفس الصدد العبثي لواقع مجتمعي مترهل معرفيا تستحضرني المقولة البليغة لأكثم بن صيفي في خطبته لكسرى ملك الفرس : سوء الظن عصمة ، وحسن الظن ورطة . ومن منطلق هذه العبارة لا يمكن الجزم بأن الإعلام المرئي والمقروء ليس في مجمله بل في حالاته ومشاهده الاستثنائية يحاول تشويه الجوانب الإيجابية التي تحدث في بر مصر المحروسة ، رغم أن هناك محاولات إعلامية تتمثل في بعض البرامج الفضائية المملة وبعض الأقلام التي تبحث عن شهرة او تسعى لتطبيق نظرية إمساك العصا من المنتصف فأخذت تنقد كل مظهر خبيث ومشوه ، دون أية إشارة لأي ملمح إيجابي يحدث في بر مصر المحروسة .
لكن رغم أن الإعلام أصبح يتسيد مشهد الهجوم على كل شئ وفي نفس الوقت يدافع عن الملمح مثار الدهشة أيضا ،إلا أن هناك تيارات أخرى وفصائل متعددة تسعى أيضا لتقويض وطن بدأ في التشييد والتعافي من جديد بل هو وطن تعافى بحق ، ولن أسير في فلك اللاهثين وراء إلصاق تنظيم حسن البنا في كل مشكلة أو حادثة تحدث في شتى بقاع المحروسة ، ليس دفاعاً عنهم بالتأكيد ، وليس من قبيل التعاطف السياسي لأنني لازلت مصر على رأيي أن الجماعة رغم تاريخها في عمق مصر منذ عشرينيات القرن الماضي إلا أنها لم تتمتع بالمهارة السياسية الكافية التي تؤهلها لحكم البلاد والعباد لاسيما شعب محترف كالمصريين ، لكن لأنها بالفعل قوة غير فاعلة ولا تمتلك لية مهارات أو آليات تجعلها في بؤرة الاهتمام ، لكن البيئة الخصبة للجهل هي التي أظهرت هذا التنظيم ، وهي نفسها التي تطل علينا بظواهر رياضية وفنية وسلوكية تضرب بجسد المجتمع المصري الضارب في تاريخ القيم والتقاليد الرصينة.

إلا أن هناك أياديَ أخرى تسعى لإفشال برنامج التعافي الاقتصادي والمجتمعي الذي ينادي به السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة بناء الوطن فضلا عن الدعوات المتجددة لتجديد الخطاب الديني الذي من وجهة نظري بدا خطابا عصيا على التطوير أو التجديد لعقود قادمة ، من هذه الأيادي على سبيل المثال وليس الحصر الترهات والتفاهات الفراغية نسبة إلى الفراغ وملله والتي تتعلق بالمناقشات الدينية والفقهية التي تتناولها الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لدرجة تدعو أحيانا إلى السخرية بل والعبث بالعقول المتفجرة علما ومعرفة .

والدعوات العبثية من أجل جذب المشاهد وإلهاء المواطن عن قضاياه المصيرية الراهنة مثل أغاني المهرجانات وهذا التراشق العبثي غير الممنهج بين أنصار ومؤيدين وبين رافضي لهذا الملمح الغنائي الذي ربما لا أستطيع الحكم عليه بصورة فنية لكن من المنظور الاجتماعي فهو ملمح مستهجن وربما لا يستحق كل هذا الاهتمام المدهش من قبل الفضائيات الرصينة أو التي بدت لفترة ما رصينة حقا ، وكم استاءت الأسر المصرية حلقات الإعلام الفارغ التي تحدثت عن الصراع الظاهر العلني بين رواد المهرجانات العشوائية الشعبية بامتياز والنقيب الفنان أمير الغناء العربي هاني شاكر من على صواب ومن المخطئ حقا في حق فنه ووطنه ، كل هذا العبث الممنهج يجعلنا نؤكد أن ثمة مؤامرة تحاك علانية ضد الوطن من خلال تفريغ طاقاته الإدراكية وحالاته الواعية صوب ترهات فارغة ، وقضايا غامضة بحق حو ظهر الفنانة العارية والنقوش التي عليها ، أو بطن الممثلة المعتزلة بعد أن ترهل فصار كرشاً رجاليا ، أو جورب المذيعة الذي انقطع فجأة وهي على الهواء .

وأعتقد أن فصائل سياسية أكثر غموضا تعبث بالداخل من شأنها أن ينهار الوطن ، ولا أدعي العلم ببواطن الأمور لكنني أستشعر أن رجالا بعينهم هم في حالة خصومة مزمنة مع الوطن القوي تجتهد بخبث في إعادة إنتاج ماضيها لكن هذه المرة ليس عن طريق إعطاء الهدايا الثمينة ، أو التوغل في المؤسسات الربحية الاستثمارية عن طريق الشراكة الوهمية ، إنما من خلال تعطيل وإبطاء الحراك المجتمعي والاقتصادي لأي مشروع أو فكرة أو طرح استثماري تطرحه الدولة المصرية الرشيدة

وتجئ هذه السطور بعد تكرار المحاولات القصدية التي سعت إلى إحراج صورة مصر بالخارج ، منها ما حدث في أثناء وبعد مباراة السوبر المصري بين فريقي الذهبي النادي الملكي الزمالك وبين النادي الأهلي العريق بتاريخه وقيمه ، هذه الصورة وإن اختلف الناس حولها بين مؤيد ومعارض أيضا إلا أنني ذهبت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة ورايتهم وشاهدتهم كيف يعشقون مصر وأهلها وزعيمها الوطني الرئيس عبد الفتاح السيسي وهم شعب طيب مهب لا ولم يعرف مثل هذه التصرفات غير المسئولة ، وأنا لست بصدد محاكمة من تسبب في إحراج صورة مصر بالقدر الذي أقدم فيه الاعتذار إلى الدولة الطيبة التي شاهدتها ورأيتها بعيني ووجدت كرما لا يوصف.

لكنها الفوضى التي اشتعلت منذ تلك الانتفاضة البيضاء التي قادها الشباب غير السياسي في يناير 2011 ، وازداد اشتعالها لأنها كانت بغير رقيب أو منظم أو حتى تحت قيادة متعهد مظاهرات غير محترف ، ومنذ ذلك الحين كل صباح نفاجأ على صيحات وموضات وقفزات عجيبة غريبة تطرأ على المجتمع الشرقي المحافظ .
مثل هذه المحاولات القصدية والمتعمدة ، ربما لم تفلح في تغيير الواقع الأفضل تاريخيا ، أعني وأقصد ظواهر إيجابية في مجالات متعددة ، تكريم العالم الطبيب العالمي الدكتور مجدي يعقوب سفير الإنسانية في القرن العشرين والواحد والعشرين الذي نفتخر بذكر اسمه والذي تجاوز بمجهوداته كل الحدود والتخوم والبقاع الجغرافية ليحتل المكانة الأسمى في تاريخ الإنسانية والذي تم تكريمه في نهاية الشهر الماضي على يد سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والذي يضرب كل يوم مثالا رائعا للحاكم المثقف المستنير الذي يدرك أبعاد دوره في هذه الدنيا .

أيضا من مظاهر الإيجابية استمرار احتلال الهضبة عمرو دياب لهضبة الغناء والذي أكد بألبومه الأخير سهران بأن الشغلانة لسه ليها كبير على حد وصف أحد زملائه ، وبأنه لا يزال التريند الذي لا يختفي أبدا ، لقد راهن عمرو دياب على تاريخه وتاريخ عشاقه الذي أنا منهم وأفتخر إنها مصر الرائدة دوما باستثناء عجيب.

التعليقات مغلقة.