الإسلام واللبرالية

بقلم : الأستاذ مروان مودنان .

 

اللبرالية هي كلمة لاتينية منحوتة تعني ” الحرية”، وهذا المذهب لم يؤسسه شخص واحد، إنما تقاسم إنشاءه عدد من المفكرين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم إن هذا المذهب أخذ اتجاهات مختلفة، فبعض المفكرين اللبراليين اتجهوا اتجاها سياسيا، فكان مفهومهم للبرالية محصورا في القضايا السياسية، وبعضهم جعله في الاقتصاد، وبعضهم جعله في الاجتماع، لكن تكامل هذا الفكر هنا وهناك ليحمل لنا الفكرة اللبرالية التحررية.

 

لا نستطيع أن نعطي تعريفا محددا للبرالية لأنها ليست نتاج شخص واحد أو مؤسسة واحدة، ولأنها عمل إنساني، مازال الناس يتراجعون عن بعض أقوالهم أو يزيدون عليها، فما كان لبراليا بالأمس أصبح ممنوعا اليوم، وما هو ليبرالي اليوم قد يصير محذورا غدا…فهناك إذن عدم تبات و بالتالي يصعب أن نعط مصطلحا لهذه اللبرالية، لكن سنحاول تعريفه بشكل عام.

اللبرالية فكرة ترى أن الإنسان خلق حرا، يفعل ما يشاء وما يريد، وهكذا ينبغي أن يعيش الانسان في هذه الحياة حرا غير مكره لا بعادات ولا قوانين ولا دين أو تقاليد أو مجتمع أو حكومات أو أفراد. هذا لأول وهلة، لكن سرعان ما تذكر اللبراليون أنه لا توجد حرية مطلقة في الدنيا، فبدأو يزيدون بعض الضوابط، فقالوا أن اللبرالية تطالب الإنسان بأن يعيش كما يشاء في الاقتصاد والسياسية والاجتماع، بشرط ألا يتجاوز حرية الآخرين، ثم زادوا شرطا آخر، وهو ألا يخالف القواعد المتفق عليها في المجتمع، فعندما تكون هناك قواعد مجتمعية، دينية أو أخلاقية أو ثقافية، فهذه لها أهمية، فاللبرالية لا تعني بحال أن يتم تجاوز هذه الأنظمة التي اتفق عليها، فكان هذا بالتالي نوعا من الترقيع لهذا الفكر الحر.

وبالنظر إلى الإسلام، نجده يرفض اللبرالية، لأنه يراها طريقة لجعل المسلمين أمة لا دين لها، والمطلع على تاريخ اللبرالية سيرى أنها ظهرت لرفض النظام الثيوقراطي الذي كانت تمارسه الكنيسة ورجال الدين، فتقوم بالتالي بتجريد الناس من ثقافتهم ومعتقداتهم وقيمهم وأخلاقياتهم ولغتهم، فاللبرالية الغربية مرفوضة، لكن ما رأي الإسلام في الحرية؟؟ هل نحن دعاة استعباد أم دعاة حرية؟؟ هل نحن دعاة استئصال وكبت…؟ الإسلام يرى أن الإنسان مخلوق مكرم من الله، خلق حرا، ليبدع، لكننا لا نقبل أن تحول الحرية الإنسان إلى إله نفسه، فحريته لها ضوابط، قد تختلف مع الضوابط التي وضعها اللبراليون وقد تتفق معها.

إن رسالة الإسلام إلى العالم رسالة تحررية، لا نستعبد الناس ما دامت أمهاتهم ولدتهم أحرار، ولا يرغم أحدا على الإسلام، وما يروج حاليا من جماعات متطرفة تدعي الإسلام وهي لا تعلم من الإسلام ولا تستطيع أن تقد المشروع الإسلامي كما ينبغي ولو بنسبة  وحد في المئة إنما هو تشهير ودعاية سلبية، وهذه الجماعات هي ضد مبادئ الإسلام. وهذا التحرير الإسلامي  ليس من عبودية الآخر فقط، بل من عبودية الذات والشهوات كذلك، لأن حريتك لا تبيح لك أن تؤذي ذاتك، من يريد الانتحار أهو حر؟؟ من يحتضر وأراد ترك ميراثه لكلبه أهو حر؟؟ فللحرية الإسلامية ثلاثة حدود : ألا تؤذي ذاتك، ألا تعتدي على حرية الآخرين كما في اللبرالية الغربية، ثم ألا تتعدى على قيم المجتمع العليا، وهذا ليس مطروحا في الغرب، ونتيجة لذلك تنتشر مجموعة من الممارسات التي تندرج في سياق الحرية وهي في حقيقتها ضرر بالفرد والمجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط