رفقة “مربوعة” والمطر

0 59

نص مهدى إلى القوات المسلحة الملكية التي احتضنتني لفترة تعلمت خلالها أن

سوء تقدير الهدف قد يكون بداية الانكسار)

“عيناك غابتا نخيل ساعة السحر،

أو شرفتان راح ينأىعنهما القمر“،

مطلع قصيدة المطر للشاعر العراقي بدر شاكر السياب. ولا أشك في أن كل من انتسب مثلي

إلى جيل السبعينات قد نسي حفظ مطلع هذه القصيدة.

“مطر،مطر،مطر،

وفي العراق جوع…

وكل عام حين يعشب الثرى نجوع

مامر عام والعراق ليس فيه جوع“

لم نكن ونحن نقبلعلىالحياة نلتهمها التهاما،نفهم ما سر اقتران المطر بالجوع.

لأنه كنا ولانزال نقرن المطر بالوفرة،بالخير،بالخضرة،وبكل ماهو حسن.

وفرة في كل شيء،حتى أن نساء البوادي المحيطة بالمدن،كن يتوجسن شرا من نزول المطر

كي لا تكثر الغلال ويبحث الرجال عن الاستزادة في الهوى والمتع، فزوجة ثانية وربما ثالثة.

في العراق،اقترن المطر في زمن الشاعر السياب بالجوع.

عندنا،في بوادينا،يقترن المطر بالفرح المفرط المؤدي إلى البحث عن المتعة.

مر الخريف هذه السنة ولم يجد بالأمطار. وجاء الشتاء وتنتهي السنة ولاغيث ولا مطر. القرى قاحلة والمدن مختنقة والكل يرقب السماء.

الخامسة صباحا موعد رحلة الوقوف أمام الأمواج لمعاينة انفصال الليل عن النهار،

رذاذ خفيف ينبئ بقرب وصول الأمطار.. تردد توزع علينا. ثم اتفاق على الاستمرار في المشي استمتاعا بهذا الجو الاستثنائي الذي افتقدناه.

ثم بشكل مفاجئ فتحت السماء صنابيرها. مطر،مطر،مطر

عرين سيدي عيسى،في غابة الجعبة غير بعيد عن الحاجب في أواخر السبعينات،مجموعة من الضباط الاحتياطيين يتيهون ليلا وسط غابات البلوط. البرد قارس والسماء ملبدة بالغيوم.

عند بداية الممر،وقف الضابط السامي“مربوعة“،بشعر أسود تغطيه قبعة عسكرية ولحية صغيرة

وعينان متقدتان تنمان عن ذكاء وعن تجربة منفردتين. عاد العقيد للتو من مهمة بالأقاليم الجنوبية وقد سبقته سمعته. معروف عليه احترافيته وعدم التقصير في واجباته.

صباح يوم اثنين،عائدون للتو من عطلة نهاية الأسبوع،تبادل الزملاء همهمات وكلام خافت

عن وصول ضابط كبير معروف بصرامته ليتكلف بالإشراف على تكوين فوج من خريجي الجامعات

وتهيئيهم ليكونوا ضباطا

داخل صفوف القوات المسلحة الملكية .

جاء الأمر كي يتجمع الكل في ساحة داخل الأكاديمية العسكرية. تحركنا متثاقلين غير مبالين…

فجأة،رعد،والسماء صافية،قذف،ولا أثر للمدافع “تجمع“.

وقف الجميع مشدوها،الكل يبحث عن مصدر الصوت المجلجل قلت لكم “بالكم“، طبعا كان الصوت ينطق بفرنسية عالمة لا متكلفة، تحرك مسؤولوا المجموعات ليطلبوا

من الزملاء الاصطفاف،كل في مكانه.

ثوانمعدوداتمرتكالدهر،يظهرالقادمالجديد،أكدلناالضابطالمكلفبملازمتناإنهالكولونيلمربوعة المعروفبصرامتهلكنهعملي،يحترمواجباتهويكناحتراماكبيرالمهنتهويحملحبامقدسالوطنه

ويحتقرالمتكاسلينوالخاملين.

انتقل الكلام بين الصفوف،”راحة“،يقول الصوت المجلجل،ثم يكرر “بالكوم،“

يتبعه بكلام واضح “من الآن لا مكان للهزل، إنكم هنافي مهمة مقدسة،

وهي التدريب من أجل الدفاع عن حوزة الوطن الذي أعطاكم كل شيء.

أولا يستحق هذا الوطن منكم مقابلا.”

صمت رهيب يعمر المكان،الكل ملازم مكانه ولا حركة،يمر الكولونيل بالصفوف،

ينظر إلى الوجوه يتصفحها يستقرأها أحسسنا وكأنه يبحث عن وجه يعرفه.

عرين سيدي عيسى،تتوقف الشاحنات،ينزل كل من فيها. يأتي الصوت المجلجل “

تجمع” لايسمح الظلام بتفحص المكان،سماء غائمةوبرد قارس وأرض رطبة بفعل الأمطار.

“درس اليوم هو كيفية الدفاع عن موقع استراتيجي،سيحفر كل منكم حفرة فيها مترو عشرون سنتم طولا،وعشرين سنتمترا عمقا. ستقضون هنا الليلة للدفاع عن هذه النقطة

من هجوم مرتقب سيحصل الليلة“.

حفرنا بمعاولنا حفرا مختلفة الأحجام الظلام لايسمح بالقياس. ينتصف الليل،

يحس الجميع بالعياء،يختبئ داخل الحفر،ويترقب إنذارا بالهجوم ثم نمنا بفعل العياء الشديد.

ساعة أو ساعتان،البرد القارس يلفح الوجوه وضيق الحفرة لا يتركان مجالا للنوم العميق ثم فجأة تنفتح باب السماء لنصبح ضحية

هجوم عنيف لم يكن أي عدو وراءه.

كانت الأمطار غزيرة تسقط فوق رؤوسنا تبلل أغراضنا وملابسنا.

لا ملجأ يقينا ضربات الأمطار فالأشجار صغيرة وقليلة الأوراق،

لا تقي لا من حر الشمس ولا من شدة الأمطار.

يزحف النهار متثاقلا،لا شيء يوقف هذه الأمطار،تسمح الغيوم بتسرب

أشعة الشمس. ننظر إلى بعضنا البعض،ينتابنا ضحك هيستيري انخرط فيه الجميع..

يحضر بلال بعربته القادمة من مكناس. خبز وزبدة وقهوة دافئة.

يصطف الجميع وراءها. ترتعد فرائسنا،ننسى أو نتناسى ليلتنا،بعضنا يحاول إشكال سيجارة مبللة

والآخر ينفخ في يديه عله يدفئها ثم يأتي الصوت المجلجل من جديد، “تجمع“….

كان الصوت، صوت الكولونيل مربوعة، خبير المدفعية الثقيلة، رجلا كان يلقننا

علم هذا السلاح كما لو كان يلقي قصيدة شعر رومانسي..

البيضاء. صباح ينايري يوحي بالخصب،بسخاء السماء تنهال علينا أمطار الخير كالشلالات.

اشتقنا للمطر قلت لمرافقيعيوننا،بحورنا،شواطئنا،اشتاقت للمطر. عدت بذاكرتي إلىالوراء،

تحضرني بقوة صورة الجنديواقفا كالهرم متأهبا للذود عن الوطن متحملا حر الصيف وبرد الشتاء.

هنا وهناك على الحدود. قد يقضي ساعات ولا من يكلمه .وقفت للحظة تحت المطر دون حركة

احيي في سريرتي كل الجنود والضباط الذين اقتسمت معهم كسرت الخبز لفترة أيقنت خلالها

أن للوطن حماة قد لا يراهم. بقلبه، إلا جاحد.

جاءني صوت الكولونيل الشهم )مربوعة“:( إلى الأمام خلف“.

“مطر،مطر،مطر

في كل قطرة من مطر،

حمراء،أوصفراء من أجنة الزهر…

…. فهي ابتسام في انتظار بلسم جديد

أو حلمة توردت على فم الوليد

في عالم الغد الفتي،واهب الحياة.

ويهطل المطر.

مطر،مطر،مطر“.) السياب)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.