عيد الأضحى من الزمن المنسي في المغرب العميق.

0 136

نحاول في هذه الإطلالة استحضار خصائص ومميزات التنمية في المجتمعات التقليدية، وذلك من خلال نموذج المدينة في علاقة بهوامشها وحواشيها، والتي تشكل عائقا أساسيا أمام التنمية المحلية والإقليمية لهذه المجتمعا

لقد وضع سؤال يوما ما على السوسيولوجي الأمريكي اللاتيني الأستاذ “سانتوس” حول مفهوم التنمية في المجتمعات التقليدية، فكان جوابه ب”الإيجاب السلبي”، أي أنه اعتبر أن هذه المجتمعات تعرف فعلا تنمية، لكنها تنمية للأزمة التي تعرفها جل المجتمعات المتخلفة.

يشكل دوار “إبراهيم”، وهو من الدواوير الملحقة بالمجال الحضري بمدينة الجديدة، صورة مصغرة ننساها أو نتناساها لمفهوم “سانتوس” حول التنمية، مفهوم تنمية الأزمة، في المغرب العميق.

وكل عيد أضحى وأنتم بألف خير…

بعد المكالمة الهاتفية التي دارت بيني وبين صديقي جواد رئيس جمعية أمل السرابتة للثقافة والتنمية، والتي يخبرني من خلالها أنه ينتظرني بدوار “إبراهيم”، أمتطي صباح يوم عيد الأضحى دراجة نارية ثلاثية العجلات “التريبورتور” قصد التوجه إلى دوار “إبراهيم”، وسيلة النقل الممكنة والوحيدة التي وجدتها هذا الصباح أمام المحطة الطرقية بمدينة الجديدة.

شاب في مقتبل العمر، يسوق بطريقة سريعة ومتهورة، فربما يركز كل تفكيره في أضحية العيد مع أسرته. ومما زاد الطين بلة، اقترابنا من الدوار والدخول بالتالي في المسالك الصعبة والوعرة، عبارة طرقات غير معبدة والتي ترغم “التريبورتور” على التمايل يمينا وشمالا، كأنه مركب صغير يصارع الأمواج العاتية.

بدأت أفكر في ضحايا حوادث السير التي عرفها إقليم الجديدة في فترة العيد، وهي بالمناسبة حوادث سير عديدة جاءت نتيجة هذه الدراجة النارية العجيبة “التريبورتور”. أتمالك أنفاسي قصد احتواء غضبي، حيث اتضح لي جليا أنني أصبحت كبشا للأضحية في هذا الصباح.

فجأة، أراني قد مررت في طريقي على المستشفى الإقليمي محمد الخامس وكذا السجن المدني بسيدي موسى قبل خوض غمار الإبحار داخل الدواوير؛ فكيف يمكن شرح تردي وتدني الخدمات الصحية بإقليم الجديدة رغم أن الإقليم يتوفر على أحد أكبر المستشفيات المغربية، وكيف يمكن شرح النسب المرتفعة والبشعة للجريمة بالإقليم والتي ينافس من خلالها أكبر العواصم العالمية.

بعد معاناة قاسية والتي كان بإمكانها أن تثنيني عن متابعة المغامرة، إلا أن الوعد الذي قطعته مع نفسي، والمتمثل في معايشة هذه التجربة عن قرب وفي أجوائها الخاصة، جعلني امسك غضبي وأتابع السير بعد أن أديت ثمن “السفر إلى قمة الجحيم” (عنوان فيلم أمريكي عن حرب الفيتنام).

تستقبلني بداية كومة من الأزبال، حيث يبدو المكان كما لو أنه لم تطأه أرجل رجال النظافة،وتتكفل عربة تقليدية في ملكية جمعية محلية بجمع النفايات.على الجانب الأيسر، يوجد آثار وبقايا مقلع الرمال الذي بني على أنقاضه الدوار في خرق سافر للقوانين وبتواطؤ مكشوف وواضح للسلطات المحلية.

أتسلل عبر الدروب والأزقة الفارغة، فتعلق بمفكرتي صورة سريالية متمثلة في مجاري الواد الحار المكشوفة والتي أصبح عبارة عن أنهار من الدماء، حيث يخيل لك أنك في جبال “تورا بورا” في أفغانستان. أقابل مجموعة من الشباب في مقتبل العمر، علامات الغضب بادية على الوجوه الشاحبة والأصوات المخنوقة بسبب الروائح الكريهة الممزوجة بدماء أضحية العيد. فابتسامة العيد قد سرقت منهم عنوة.

بعد إنهاء مراسيم ذبح الأضحية داخل أسرة ممتدة تقليدية، يقترح صديقي جواد أن نذهب إلى مقهى الدوار قصد تناول كؤوس القهوة السوداء. نسلك نفس الممرات وسط رائحة كريهة، كما أقترح على جواد أخذ بعض الصور قصد إنجاز هذه المادة.

من حين لآخر، أطفال فرحون بالعيد يلهون ويلعبون بوجوه صفراء، حيث الروائح الكريهة قد نالت من جهازهم التنفسي وأعينهم المتورمة.في المساء وعلى بعد كيلومترات معدودة من دوار “إبراهيم’، يلوح في الأفق نور وضاح لأكبر منتجع سياحي في المغرب “مازغان”، والذي يسيل لعاب كارتل البترول بدول الخليج حسب آخر الأخبار المتداولة. إنه مغرب المتناقضات.

يعد دوار “إبراهيم” الشجرة التي تخفي غابة الدواوير الملحقة بالمدار الحضري للجديدة والمكونة من دوار الطاجين ولشهب والمسيرة والغنادرة والعيساوي والغربة…والتي عرفت النور في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، تاريخ إنشاء مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط وكذا ميناء الجرف الأصفر كأكبر ميناء بإفريقيا.

تناسلت هذه الدواوير كالفطر على هوامش وحواشي مدينة الجديدة، والتي كانت ولا تزال ورقة رابحة بالنسبة لكل من أراد الفوز في الاستحقاقات الانتخابية، كثلة ناخبة هامة وأساسية داخل المعادلة السياسية بمدينة الجديدة.

كما تتميز هذه الدواوير بطابعها الشبه حضري، حيث نمط العيش لازال تقليديا، بالإضافة إلى وجود وتعايش أشكال ثقافية متعددة تتأرجح بين ما هو تقليدي وما هو عصري في إطار علائقي. الفروقات والتمايزات الاجتماعية غير واضحة المعالم، ويعيش الأفراد والجماعات في شبه مجموعات سكنية عائلية، مما يقوي روح التضامن والتعاون في ما بينهم في مواجهة الآخر المديني.

يمتهن أغلب الأفراد، خاصة فئة الشباب، مهن هامشية داخل مدينة الجديدة، والتي تشكل داخل المخيال الجمعي للأفراد الحياة الكريمة التي يسعى إليها الجميع. كما تشكل المجال الحضري العصري في مقابل الدوار كنقمة مسلطة على رؤوسهم، ويتم الاستعاضة عن هذا المجال الحضري باستحضار رموزه وقيمه وعاداته وتقاليده قصد التعويض السيكولوجي عن الاستلاب المادي والثقافي لنمط العيش المديني. وتنقل أخبار المسؤولين وكذا وسائل الإعلام المحلية والوطنية التي تدور في فلكهم، أن انتشار الجريمة بأشكالها المختلفة جاء نتيجة “طبيعية” لوجود شباب ذنبهم الوحيد أنهم أبناء الدواوير الملحقة بالمدار الحضري لإقليم الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.