“نحن نقوم باقتلاع مشاعرنا وإعادة غرسها فوق الورق” حوار مع الأديب الفلسطيني: د. حسام رمضان.

وكالة الأحداث الدولية :

أجرت معه الحوار: الأستاذة إسراء عبوشي.

 

الدكتور حسام رمضان كاتب فلسطيني مواليد عام 1990م، من نابلس مقيم في ألمانيا وهو خريج آداب إنجليزي من جامعة النجاح الوطنية في نابلس وحاصل على الدكتوراه في الدراسات الإنجليزية  من ألمانيا.

رسالة الدكتوراه حملت عنوان: “دور الأدب الفلسطيني المترجم للإنجليزية بالدفاع عن الموقف الفلسطيني أمام العالم”.

هذا الكتاب الأول من نوعه الذي أدخل الأدب الفلسطيني للعالمية، وقدّم للأدب ما هو مهم وضروري واستثنائي.

والدكتور حسام مؤلف كتاب “أرنا وجهك يا حنظلة”٢٠١٩، وبصدد إنتاج كتاب “٤٨” وهو عبارة عن قصص فلسطينية قصيرة مترجمة للإنجليزية، وكتاب إنجليزي بعنوان: “الترجمة ما بعد النكبة.”

بالإضافة لذلك، قام بنشر رواية بعنون: “كوما” عن دار يافا للنشر والتوزيع/ الأردن هذا العام.

الكاتب حسام رمضان يرسم ملامح المستقبل بإرادة صلبة وعلم واسع، في الغربة الرؤية مختلفة والفكر حر طليق، والثقافة لا تحدها أدوار، والاجتهاد لا تقتله الفرص.

:وقد أجرت معه هذا الحوار

 

من هو حسام رمضان؟

أنا حسام رمضان، من قرية تل قضاء نابلس، أقيم منذ عام 2016 في مدينة توبنغن في ألمانيا، أعمل حاليًا أستاذًا مساعدًا في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة النجاح الوطنية، درست الأدب الإنجليزي في الجامعة التي أعمل فيها حاليًا، وأكملتُ درجة الدكتوراه في الدراسات الإنجليزية الثقافية، ومثلي كمثل الكثير من شباب فلسطين، سافرنا حتى نرسم معالم مستقبلنا بعيدًا عن الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها أبناء شعبنا منذ أكثر من نصف قرن.

 

لماذا اخترت دراسة الأدب؟ وما أثره في صقل شخصيتك ككاتب؟

لقد اخترت الأدب كونه من أمثل الطرق التي تُعبّر عمّا يدور في دواخلنا بكل حرية وصدق، فالكلمة التي تخرج في مواقف معينة قد تكون أحيانًا غير صادقة، أو أننا نحاول تجميلها حتى لا نجرح ونحرج الآخرين، لكن في الأدب، فنحن نقوم باقتلاع مشاعرنا وإعادة غرسها فوق الورق، فالأدب من أسمى طرق التعبير ومن أكثر الأشياء التي تفرحني أنا شخصيًا، ودرست الأدب حتى أتعلم من تجارب الآخرين، علينا أن نعلم جيدًا أن الأدب الجيد هو نتاج تجارب الحياة، وفي كل مرة نقرأ فيها عملًا ما جيدًا، نصقل أنفسنا لمواجهة الحياة من خلال التعلم من تجارب الغير، ومن خلال الأدب، نتعرف على ثقافات ولغات الآخرين، فنكون قد هيأنا أنفسنا داخليًا لمعاملة من هُم غرباء عنا، أقصد هناك غرباء من ناحية الثقافة، وأسلوب الحياة، واللغة، والدين، والعادات والتقاليد، وهلم جرًا.

 

الغربة تفتح آفاقًا للحرية، ويتسع الأفق لتقبّل الثقافات، كيف ساهمت الغربة في صقل شخصيتك؟ وهل أثرت على كتاباتك؟

من المقولات التي ما زالت عالقة في ذهني؛ ما تفوّه به هتلر عندما قال: “ثلاثة تصنع الرجال: السجن، العسكرية، الغربة، إذا لم تجرب واحدة منها؛ فأعلم أن مكانك عند أمك”.

لم أكن أعلم جيدًا معنى تلك المقولة إلا عندما سافرت، فقد تعلمت الكثير هنا، هنا يكون الإنسان على المحك، فلا أب يوقظك من نومك، ولا أمّ تعد لك قهوة الصباح، ولا أخ يعاركك على قميص سرقته منه خلسة، ولا أخت تقف وتنظر إلى أناقة هندامك، هُنا أنت وحدك، وعليك الاعتماد على نفسك فقط، وكل يوم في الغربة أقسى من مائةٍ في بلدك، لذلك أحاول جاهدًا التعايش مع ثقافة البلد، وأجهد نفسي من أجل إثبات ذاتي، فأنا وغيري من شباب فلسطين عشنا ظروفًا صعبةً جدًا، وكان لهذا أثرٌ في صقل شخصياتنا، وهذا ما ينعكس في كتاباتي التي بدأت فيها هنا، فالحرية الكبيرة التي نعيشها هنا تتيح لك الفرصة أن تكتب كل ما يدور في خلجاتك، كذلك الغربة تجعلنا نشتاق لأيامنا التي عشناها، فكل يوم أتذكر حياتي هناك، وأحاول أن أعوض هذا النقص الكبير والشوق العميق في الكتابة.

في روايتك “كوما” تتجول الشخصيات في فلسطين بين نابلس وغزة، هل هو الحنين للوطن؟ وما أثر المكان في تنقل الشخصيات في روايتك؟

نعم، هذه الرواية بدأتُ في كتابتها في منتصف عام 2018،  وانتهيت منها في منتصف الشهر الثامن من عام 2021، رواية تجمع قلبيّ فلسطين، اللذان لا يجتمع سكانيهما قط نظرًا للظروف السياسية الصعبة، رغم أن قدماي لم تطأ أرض غزة من قبل، إلا أنها لا تقل حبًا عن نابلس، مسقط رأسي.

لا بد أن الحنين للوطن هو ما جعل شخصيات روايتي تتخذ من مدينة نابلس مكانًا لتقوم بأداء أدوراها الرئيسة أو حتى الثانوية، ولكن تنقلت بين الفينة والأخرى بين مدينة وأخرى، نابلس، والقدس، وغزة، وجنين، وغيرها، نرى – على سبيل المثال – الحاجة “صفية” التي تنحدر أصولها من قرية اللجون المدمرة؛ تلعب دورًا محوريًا في الرواية من خلال التعاطف الكبير الذي تبديه مع “وسام “بطل الرواية، ونستقبل – أيضًا – الطفلة “ريحانة” التي تسرد لنا معاناة أهل غزة على حاجز غوش قطيف أو حاجز
“محفوظة” كما كان معروف لدى أهل المنطقة هناك، ونرى أن كل شخصية قد لعبت دورًا معينًا في مكانٍ ما وبشكل درامي لافت، وبهذا كان للأمكنة المتعددة أثرٌ كبيرٌ في تسلسل أحداث الرواية، وإن تعدد الأمكنة يخرج القارئ من عنصر الملل الذي ربما يجتاحه إذا دارت أحداث الراوية في مكان واحد فقط.

 

حين بحثت عن نصوص لأدباء  فلسطين بغرض ترجمتها في كتاب خاص، لم تجد قاعدة بيانات ولجأت إلى البحث الشخصي، ما أهمية توثيق النصوص؟ وأهمية وجود خطة لدى وزارة الثقافة للاهتمام بالأدب عالميا؟ وكم يخدم الرواية الفلسطينية هذا الأمر؟

ليس بالتحديد، فأنا كنت على يقين أن الأدب الفلسطيني المترجم للإنجليزية يفتقر إلى بوتقة إلكترونية تجمع كافة المعلومات التي ستفيد الدارسين في المستقبل، حاولتُ البحث عن ذلك ولكنني لم أجد، فبدأت برحلة الدكتوراه والتي شرعت فيها بأرشفة الأدب الفلسطيني المترجم للإنجليزية إلكترونيًا، ولهذه الأرشفة الكثير من الإيجابيات التي تعود بالنفع على الأدب الفلسطيني، فالأدب الفلسطيني يحمل في ثناياه القضية الفلسطينية، وإن ترجمته وتوثيق الترجمة في صالح القضية الفلسطينية التي يجهلها أو يحاول الكثير التظاهر أنهم يجهلونها حول العالم، وإن أرشفة الأدب الفلسطيني تشجع أقسام اللغة الإنجليزية لتدريس الأدب الفلسطيني بالأدب الفلسطيني، وعلى وزارة التربية والتعليم أيضًا الاستفادة من هذا المشروع لإدراج نصوص وقصائد فلسطينية في كتب طلبة المدارس ليفهموا قضيتهم ومعاناة الشعب في الوطن والشتات بلغة جديدة يستطيعون بها الوقوف إلى جانب قضيتهم مستقبلًا، ومن هنا نرى أن وزارة الثقافة الفلسطينية تقوم بجهد يُشكرون عليه من خلال المسابقات الأدبية التي تشجع الكثيرين على الكتابة، ولكن ما فائدة الكتابة إن بقيت محصورة علينا نحن العرب؟ فنحن بحاجة إلى تحفيز المترجمين لنقل صورة فلسطين للعالم، بهذا تستطيع وزارة الثقافة – على سبيل المثال – أن تعلن عن جائزة لأفضل رواية فلسطينية نُقلت للغات أخرى، أو قصة قصيرة أو قصيدة، من خلال ذلك نستطيع رفع المستوى المتدني من ترجمة الأدب الفلسطيني للإنجليزية كلغة عالمية، فأنا وجدت من خلال أرشفة الأدب الفلسطيني أن ما تم ترجمته خلال السبعة عقود الماضية لم يتعدَ 5% من كامل الأعمال الفلسطينية التي صدرت منذ عام 1948.

 

من أين تستمد شخصيات رواياتك؟

شخصيات روايتي واقعية، لكنني قمت بإضافة طابع مميز لكل شخصية حتى تتناسب مع الحدث الذي أريد تصويره والهدف العام الذي أسمو إليه في نهاية الرواية، فأبي كان حاضرًا في تلك الرواية، وكذلك أمي، وكثير من الذين لهم تأثير خاص في حياتي.

 

لمن تقرأ عربيًا وعالميًا ؟

عربيًا أحب الكثير من الكتاب، منهم: غسان كنفاني، ومحمود درويش، وإيميل حبيبي، وإبراهيم نصر الله، وغيرهم، وعالميًا أقرأ لـ باولو كويلو، جين ريس، ولكن لا أستطيع الحصر، فكل عمل أدبي له جماله الخاص، وظروفه التي تجعله أفضل من عمل آخر.

 

كيف يرى الغرب الرواية العربية؟

لا بد أن الغرب يثمنون الأعمال العربية التي تصور العربي بشكل مختلف عن الحقيقة، أي أنه إنسان همجي، متخلف، إرهابي، ولكن هناك بعض القراء الذين يرون في الرواية العربية والأدب العربي بشكل عام على أنه تصوير للعالم العربي، ويرون فيه جماليات ربما تكون مفقودة في أي أدب آخر.

 

ما هي التحديات التي واجهتك في الغربة، وهل خدمتك الغربة في تحقيق غايتك وتطوير رؤياك، هل تعتقد أنك كنت ستحقق ما حققت في وطنك؟

التحديات كثيرة ومتعددة، ولكن أكثرها هو البعد المكاني عن الأهل، والشوق الكبير لهم، ولا بد أن للغربة محاسن فقد صقلت شخصيتي وطورت من قدراتي على تقييم الأمور بشكل رزين وحكيم، وأتاحت لي المجال بأن أطور قدراتي الكتابية، فأنا على يقين أنني لو لم أكن في غربة لما استطعت أن أنجز أو أحقق ما حققته هنا حتى الآن، فالغربة توسع الآفاق وتجعلك ترى الحياة من منظور أشمل، وهذا لا بد أنه سيؤثر إيجابًا على حياتك إذا كان هدفك ساميًا ومحددًا.

لا كــرامــة لشاعر فــي وطــنـــه، برأيك إلى أي مدى ينطبق هذا القول الشائع على مبدعي الوطن العربي؟

هناك بيت شعر للإمام الشافعي أحفظه وأردده أحيانًا، يقول فيه:

ارحل بنفسك من أرض تضام بها … ولا تكن من فراق الأهل في حرق

نعم، أنا أؤمن بهذه المقولة بلا شك، فنحن نرى الكثير من مبدعي العرب وحاملي الشهادات قد ندموا عندما عادوا إلى بلادهم، وأنا على تواصل مع البعض منهم، وعندما أسألهم عن الحياة والعودة، أول ما يقال لي: لا تعود فتندم، فبالنسبة لي أنا أعيش هنا، والوطن هو المكان الذي تشعر به بالانتماء، أي أن الوطن ليس فقط شجرة وحجر، الوطن أكبر من ذلك، الأرض للجميع، فأينما وجد الإنسان النجاح، عليه التمسك بتلك الأرض، بشرط أن يبقى وطنه الأصلي عزيزًا عليه وألا يجحد فضله أبدًا، وعندما أقول “وطنه” فأنا لا أقصد شخصيات، بل أقصد الوطن بحد ذاته.

 

كم خسر الوطن من عقول مفكرة وطاقات شبابية من شأنها العمل على نهضته، عندما لم يهتم قادته باستقطاب تلك العقول؟

كما أسلفت سابقًا، لا أقول قادة البلاد ولكن حكام البلاد العربية بشكل عام لا يلتفتون للطاقات الشبابية التي لها القدرة على القيام والنهوض به، وبهذا يخسر الوطن الكثير من العقول النيرة المتفتحة التي تستطيع الارتقاء بالوطن لمستويات عالية.

حنظلة، هل فعلت فعلته وأدرت ظهرك للبلاد لأن فرص الشباب قليلة؟

أنا لم أدر ظهري للبلاد، ولكن أرى أن مستقبلي في هذه البلاد، ولست محكومًا بمكانٍ ما، والله تعالى يقول: “هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الۡأَرۡضَ ذَلُولًا فَامۡشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزۡقِهِ وَإِلَيۡهِ النُّشُورُ”، أي أن الإنسان عليه أن يسعى أينما وجد سعة الرزق والطمأنينة.

 

كيف تصف المشهد الثقافي الفلسطيني على مستوى العالم العربي؟

يحاول الكثير من المثقفين في أصقاع الأرض أن يرتقوا بالمشهد الفلسطيني، ولكن الكثير من العقبات تحول دون الوصول إلى الهدف المرجو، كقلة الدعم، وعدم القدرة عن التكلم بحُرية عن فلسطين، وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولكن أدعو عبر هذه المقابلة وزارة الثقافة الفلسطينية أن تقوم بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، أقصد خارج حدود فلسطين، حتى يستطيع مثقفو فلسطين وصف المشهد الفلسطيني على أكمل وجه.

 

ما هو حلمك على الصعيد الشخصي؟

حلمي فقط أن أكون كاتبًا على الصعيد العالمي وأن تكون كتاباتي بمثابة مصدر بحث للدارسين.

 

ما الرسالة التي توجهها للشباب بعد أن حصلت على الدكتوراه وطبعت عدة أعمال وراوية، في هذا العمر؟

رسالتي واحدة، اسعَ وراء حلمك، حتى وإن كنت في مشرق الدنيا وحلمك في أقصى المغرب، فقط الحق به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط